هندسة
الموت
الجزء
الثاني
الحرب
الميكيافيلية
أو الحرب
الأخرى!
بقلم
: الحبيب
سوايدية*
عندما
نشاهد عبر
وسائل
الإعلام
العربية والعالمية
الصور
والتقارير
لحجم الدمار
الذي تخلفه
العمليات
الإرهابية،
فإن النفس
البشرية
تتأثر حتما
لتلك المشاهد
المرعبة
والمؤلمة.
فحجم الانفجار
أو المجزرة
التي خطط لها
يساوي حتما
حجم التأثر
والخوف
والتنديد
بالجريمة وبالتالي
هذا ما يريد
أن يوصله
المجرم عبر
وسائل الإعلام.
الذي يحدث
وحتما
سيتكرر، يدفع
بالمرء بكثير
من الهدوء إلى
القول: ليس
الألم أن تعيش
غبيا، إنما
الألم أن تعيش
وتموت غبيا.
هذا تحديدا ما
يشعر به الشخص
وهو يرى
الإعلام العربي
حتى لا نقول
الغربي يصور
المسلمين
والعرب على
أنهم
"إرهابيين"
يفجرون
الأبرياء ويرتكبون
المجازر في حق
المدنيين. من
منا لم يرى
الإعلام وهو
ينسب أبسط
حادث على أنه
"ربما"
"عملية
إرهابية
لجماعة
إسلامية"، حتى
أصبح حساب
العقل العربي
يرتبك في
مواجهة
الظروف المصيرية
التي تحيق
الخطر الجاثم
على أرضنا، فأمام
مضخة الدم
الهادرة
والمفتعلة
التي لا تهدأ
وتعمل على أسر
الوعي العربي
يحجب عن العقل
رؤية العدو
المتغلغل
ويغرق
المقاومة وعملياتها
في بحر من
الإرهاب. إنها
الفوضى البناءة
على شاكلة
دراما من
القرابين
الإبراهيمية
التي يقدمها
المسلمين عبر
شيوع القتل
والمجازر
والانفجار
الذي ما أن
تنفجر واحدة
حتى تلاها
ألأخرى في
سلسلة دامية
يخنق بها
المسلمين في
عملية انتحار
جماعية.
وانطلاقا
من ذلك لا بد
أن توفر
مبادرة الفهم
والتفهم
مدخلا لإعادة شرح
الأمور وكشف
بسرعة خبايا
هذه الحرب أو
قراءتها على
وجه مغاير لما
يروج له
الإعلام لأنه،
وبكل بساطة
أصبح جزاء لا
يتجزأ من
العملية العسكرية
وسلاح فعال
يراد به
التظليل
والترويج
لفكرة
وإستراتيجية
معينة. اليوم
أكثر من أي
وقت أخر في
زمن تغيرت فيه
معادلة
القوة، يجب أن
نفتح أعيننا
خارج عدسة
التركيز.
فعدسات
الإعلام
العربي هي
عبارة عن عين
مجردة لا تخدم
الحقيقة
وتنتج ما تريد
أن تروج له
أجهزة المخابرات،
أي أن ما
يقدمه
الإعلام هو
الجزء الأول
من نظرية
مركزة ظاهرها
"إعلامي"
وباطنها
"سيناريو
خاص" نتائجها
خطيرة على
مستقبل أبنائنا
وأوطاننا
وتستعمل عن
عمد وسابق إصرار
من قبل القوى
التي لا تريد
الخير لامتنا.
المقصود بها
إثارة
المشاعر
الإنسانية،
تأليب الرأي
العام،
التشكيك في
نوايا
"العدو" وعزله
عن محيطه،
ويدفع حتى
بالضعفاء
والمترددين
إلى "الكفر"
والريبة في
عقيدتهم. فهذه
قبل أن تكون
حرب على
الإرهاب هي
حرب
إيديولوجية
بطبيعتها
وشاملة
بإستراتيجيتها
يراد منها ليس
فقط احتلال
الأرض وإنما
"احتلال قلوب
الشعوب" بنشر
العنف
والفوضى التي
تنسب وبكل
وقاحة إلى
الإسلام.
فالخرافة ليس
لها ثمن إلا
من جهة واحدة،
فالذي يملك حق
التعبير ينصب
نفسه " ذو خلق
وحضارة"! وبين
الصور
الرسمية التي
يوجهونها
للعالم
والصورة
المعاكسة
هناك الهوة
التي تفرق بين
الدعاية
والحقيقة،
بين الجاني والبريء،
بين الحقيقة
والخيال
وأخيرا بين
المقاومة
والإرهاب.
تقارير ملفقة
من جهة؛ جرائم
ترتكب من جهة
أخرى هذا كله
ميدان "الحرب
الحديثة"
الذي يفتح
أبوابه
للمؤرخين
وعلماء النفس
والمثقفين
والإعلاميين.
فهناك أشياء
لا تدركها لا
عدسات
الكامرة ولا
تحاليل
"الأخصائيين في
الجماعات
الإسلامية"
ولا حتى
"عباقرة" الموائد
المستديرة
والفضائيات
الذين يطلون علينا
من حين لأخر
بقرفهم.
ما
الذي نقوله عن
الصورة
السوداء
القاتمة
اللون التي
تتحرك من
خلالها أجهزة
المخابرات
والمرتزقة في
عملياتهم السرية،
أليس التفجير
العشوائي
الذي يطيل المدنيين
والأبرياء
والذي ينسب
إلى "المقاومة"
هي عملية
سيكولوجية
تقوم على أساس
ضرب المقاوم
وتأليب
الشعوب
عليها؟ أليست
المقاومة هي
نبض وخيار
الشعوب
الحرة؟ متى
كانت
المقاومة
عدوة شعوبها؟
الحرب على
الإرهاب لم
تكن بحال حرب
تقليدية،
ولأدراك
خباياها لا
تطرح الأسئلة
التي قد لا
نجد لها أجوبة
عند أشخاص
يرون الخبر
إلا لمن يدفع
أكثر،
والمؤكد
بالنضيرة
العلمية أن
الجانب
النفسي
والسيكولوجي
هو محرك هذه الحرب
ورحم الله
القائل : فاقد
الشيء لا
يعطيه. إن
الأمر ليس على
مثل هذه
السهولة، فمن
يحارب
"الإرهاب"
تحت غطاء " نشر
الديمقراطية"
أو "الحفاظ
على
الجمهورية"
وكلها دعاوي
ظهر زيفها بعد
أن كشف بعض
الأمور
والحقائق عن
سياسة الأنظمة
التي تلجأ إلى
الكذب والغش
والخداع
وتستعمل
ألأساليب
المستنبطة
التي أدرجها (نيقولو
مكيافيللي) في
كتابه
"الأمير"
الذي يتمتع
بسمعة غير
أخلاقية نظرا
للتعاليم
الشيطانية
التي يوصي بها
كأساس لتوطيد
النظم.
الحرب
غير
التقليدية
تكون وسائلها
وأسلوبها
ونتائجها غير
أخلاقية،
وهذا النوع من
الحروب خاضتها
الإمبراطورية
الفرنسية
والولايات
المتحدة
الأمريكية
قبل هذا في
الفيتنام
والجزائر وقد
أستنتج من
خلالها
الأخصائيون
العسكريون أن
القوة
العسكرية
وتقنياتها لا
تكفي لكسب حرب
من هذا النوع،
وقد تأكد
لديهم أيضا أن
الإنسان يبقى
العنصر
الأساسي الذي
يتوقف عليه النصر
أو الهزيمة.
وهذا ما دفع
بالأخصائيين
أثناء الحرب
وبعد الهزيمة
إلى تطوير
سلاح جديد
يعتبرونه
"سلاح دمار
شامل".
يقول
أحد المطورين
البارزين
للحرب
السيكولوجية
"الذي قامت به
الطليعة
الوطنية التي
قادت الثورة
في الفيتنام
قامت به
مجموعات في مناطق
أخرى
كالجزائر...
فإذا كان هذا
ما ينتظرنا في
المستقبل،
يتساءل الجنرال،
فما هي
الطريقة التي
سيتبعها
الجيش لكسب
الحرب ؟... يجب
علينا معرفة
ماذا نريد: في
الميدان
العسكري
البحت، عندما
يقوم الخصم
بتطوير سلاح
جديد... فعلى
الذي يواجهه
أن لا يبقى يبكي
ويندد
بالسلاح غير
الأخلاقي
الذي يستعمله
العدو... لا
نستطيع خوض
حرب ثورية
بجيش كلاسيكي،
لا نستطيع خوض
حرب ثورية
بإدارة في زمن
السلام، لا
نستطيع خوض
حرب ثورية
بشفرة نابليون!".
من هنا استفاق
الغرب وتيقن
الخبراء العسكريين
أن الحرب
الكلاسيكية
أصبحت حرب عقيمة
لا تكفي وحدها
في تحقيق
أهداف الدول العظمى.
فالتقدم
العلمي الذي
وصلت إليه
البسي
سيسولوجية
جعل
الأخصائيين
العسكريين
يلجؤون
لتطوير هذا
"السلاح
الجديد"،
الذي يصفونه
بأنه "سلاح له
أبعاده
النفسية
والجسدية، دمويا
ويهاجم مجال
الفكر. يستعمل
لتفخيخ إرادة
العدو وشلها،
اختراق صفوفه
وتشتيت قواه وذلك
بتجنيد
مناصرين
وعملاء،
للحصول على
رأي عام خائف،
خداع المصمم
على المقاومة
وإحباط
عزيمته، وفي
الأخير تشخيص
موقع القوة
الفاعلة أو المقاومة
التي تكون في
النهاية
معزولة ومن ثم
يتم محاصرتها
والقضاء
عليها بأقل
خسائر".
في وقت
قياسي أخذت
هذه النظرية
المكانة والأهمية
الأولى في
صفوف الجيوش
الغربية
وأصبحت تدرس في
المدارس
العسكرية: " في
هذه الحرب
والتي كانت
شاملة بكل
المقاييس
لاحظنا تغيير
كبير في العلوم
العسكرية،
هذا ما صرح به
الجنرال إيزنهاور
الرئيس
الأمريكي
الأسبق. أضن
أن التطور الذي
حققته الحرب
السيكولوجية
كسلاح خاص وفعال
يتعدى كل
التخيلات. في
الحقيقة،
مساهمة الحرب
السيكولوجية
في النصر
النهائي لا
نستطيع
مقارنته
بكمية تدمير
المدن أو
بتخطي الحدود.
لكن أنا متأكد
أن المناورة
بالرجال
والأموال
الذين
يستعملون
المخاطبة
الكلامية
والكتابية
كون العنصر
الأساسي
لتلغيم إرادة
مقاومة العدو
وإسناد
معنويات
حلفائنا
القتالية. دون
أدنى شك فإن
الحرب
السيكولوجية
لها الحق والفضل
في أن تكون
لها المكانة
الأولى في
ترسانتنا
العسكرية".
هذه هي
الحرب الأخرى
أو الحرب
السيكولوجية،
التي نشأت بين
الحربين
وواصلت الدول
الغربية
استعمالها
وتطويرها
خلال الحرب الاستعمارية
الفرنسية
والحرب
الباردة لتنتشر
في ما بعد و
لتصبح أداة
فاعلة في
تغيير النظم
عبر العالم وخدمة
السياسة
الغربية.
في
"الحرب
الحديثة"
تستعمل كل
"الوسائل غير الشرعية
وغير
الأخلاقية
التي تهدف إلي
تدمير العدو
وعزيمته
القتالية".
هذا ما لخصه
الجنرال الأمريكي
دونفان الذي
قاد أول جهاز
استخباراتي في
الولايات
المتحدة
الأمريكية (OSS) (1). خلال هذه
الحرب مهمة
أجهزة
المخابرات
والقوات
الخاصة هي
الدخول في
مناطق "غير
محتلة" أي ليست
تحت سيطرة
القوات
النظامية،
والعمل على
القيام
بعمليات
مضادة
للمقاومة
(إرهابية) مع
مقاتلين
مجندين بين
الأهالي أو
السكان
الرافضين
للمقاومة.
عمليا، يتم
تكوين وتدريب
جماعات إرهابية
(تخريبية) من
الأهالي تقوم
بأعمال مضادة
للمقاومة
وتكوين مناطق
غير آمنة داخل
المناطق
الغير مسيطر
عليها، لان
هؤلاء بطبيعتهم
العادية
ومعرفتهم
لطبيعة الأرض
يعتبرون نقطة قوة.
بتكوين
تدريجي مناطق
غير آمنة داخل
المناطق التي
تسيطر عليها
المقاومة،
يكون العدو قد
نجح في زرع
شوكة قاتلة في
ظهر المقاومة
مما يربكها
ويجعلها في
حالة طوارئ
وخوف دائم.
فالعدو
المزروع يقوم
بعمليات
مضادة
للمقاومة ضد
السكان
والمدنيين
العزل (2) وهذا
تحت نفس الشعار
الذي تحمله
المقاومة
سواء كانت
وطنية أو
جهادية قصد
منع الشعب من
مساندتها.
الهدف من
العملية هو
إرهاب
الأهالي
بالعمليات
المضادة التي
تنسبها وسائل
الإعلام
مباشرة إلى المقاومة
في عملية
متواصلة، مما
يدفع بالمدنيين
إلى النزوح من
تلك المناطق
والتخلي عن مساندة
المقاومة
وحتى تأليبها
وتسليحهم
وتكوين ميليشيات
(3) تشارك
في العملية
العسكرية
وهذا ما فعله
مثلا جنرالات
الجزائر وما
نراه في
العراق. كما
قلنا سابقا
بما أن هذه
الحرب غير
تقليدية فإن
وسائلها،
نتائجها
وكذلك تمويلها
غير أخلاقي.
"الحرب على
الإرهاب"
تمول بدولارات
المخدرات (4)
وكما تم تكوين
جماعات
إرهابية فإن
عملياتها
السرية تتطلب
توفير عصابات
بحقائب
دبلوماسية
وطائرات سرية
يتم نقل فيها المخدرات
(كما تم نقل
المختطفين
إلى سجون سرية)
من حقول
أفغانستان
وكولومبيا
إلى الأسواق العالمية.
لسنا بحاجة
لنعطي الدليل
على ذلك فتاريخ
هذا النوع من
الحروب مليء
بهذه الشواهد،
وهنا نتساءل
أين هي وسائل
الإعلام من كل
هذا؟ فإذا
استطاعت
الطائرات
السرية أن
تجعل من
مطارات
أوروبا حتى لا
نقول العربية
أكبر جسر سري
لخطف ونقل
وتعذيب البشر
فما هو حجم
المخدرات
التي تم نقلها
وتهريبها من
أفغانستان إلى
أبناء أمريكا
وأوروبا؟ مع
العلم، أن منذ
سقوط طالبان
في أفغانستان
تضاعف إنتاج
الهيروين كما
تضاعفت
عمليات
المتاجرة
بالبشر.
مع
تواصل
المجازر
والانفجارات
تتواصل الحملات
الإعلامية
السيكولوجية
تحت عنوان
"حرية
التعبير" و"الحرب
على الإرهاب"
لتنقل نتائج
الدمار العلمي
الذي لا يهدف
فقط إلى ضرب
المقاومة بل إلى
ضرب العقيدة.
الجزائر
بين " الطاعون
و الكوليرا"
"قالوا
للشعب عليك أن
تختار بين
"الطاعون والكوليرا"،
أما الشعب فقد
أختار
"الكوليرا"
لأنه في كل
الأحوال
منسوب إليها
ولا يعرف الطاعون!
فقالوا له
سنجبرك على أن
تحب الطاعون!".
في
الجزائر كان
السلاح
السيكولوجي
هو المجهود
الرئيسي في
الحرب وأفضل
جهاز يستعمله
هو جهاز
المخابرات
المركزية (DRS) الذي
تم هيكلته
وإعادة
تسميته
بإيعاز من
الجنرال
العربي بلخير
الذي كان في
ذلك الوقت
رئيس مكتب
رئيس الجمهورية.
تعتبر هذه
العملية
والتي وجدت
معارضة كبيرة
من قبل بعض
الضباط
المعارضين
لسياسة
الجنرال
بالخير
وزملائه تطور
خطير في المؤسسة
العسكرية
وعملية ستجعل
من جهاز
المخابرات
أداة تتعارض
مع مصالح
الآخرين. في
هذه الإستراتيجية
الشاملة
والتي يراد
منها احتواء
المؤسسة
العسكرية ومن
ثم الجزائر
أرض وشعب كانت
مهمة جهاز
المخابرات
الأولى و خاصة
المكتب السيكولوجي
الذي كان
يقوده العقيد
حاج الزوبير
في استعمال
"الدعاية
السوداء":
تغطي كل العمليات
السرية، مثل
القتل
والاغتيالات
التي تقوم بها
أجهزة
المخابرات
الأخرى، أما
"الدعاية
البيضاء":
تقوم بتغليط
الرأي العام،
اختراق وسائل
الإعلام حتى
الخارجي
وشراء ذمم الإعلاميين
والمثقفين
وإغرائهم
بالمال قصد كسب
تأييدهم.
اعتبر
جنرالات
الجزائر أن
الديمقراطية
هي الورطة،
والحل للخروج
منها تتمثل في
"الجبهة
الإسلامية
للإنقاذ". ذلك
أنه ـ كما
قلنا سابقا ـ
كانت هناك
النية
السياسية
تتبعها تعبئة
إعلامية يراد
من خلالها
تهيئة الجو
الملائم
وإقناع الرأي
العام
العالمي بأن
الحزب الإسلامي
"غير
ديمقراطي و
أنه إذا فاز
بالانتخابات
سيضع حدا
للديمقراطية
التي ألحقته
إلى الحكم
ويجعل من
الجزائر
أفغانستان
جديد." هذا المنطق
الذي كانت
تروج له وسائل
الإعلام
الموالية
للنظام
الجزائري
يصور لنا حجم
الدعاية الإستخبارتية
التي ورطت
الجزائر في
حرب ضد عدو
"خيالي لا
وجود له" مما
ترتب عليه خوض
حرب ليست لها
نهاية في
الزمان
والمكان.
الأكذوبة الكبرى
روج لها
النظام
ورددها أتباع
النظام ومن لف
لفهم لضرب
الشعب وتقويض
حريته ونهب
خيراته وذلك
بإدخال
الجزائر في
حرب قذرة هي
بالتأكيد
ليست تقليدية
وليست من
ابتكار
جنرالات الجزائر
المجرمين فمن
يمسك
بالأقلام
والخيوط التي
تحركهم قابع
معهم في مكان
لا تصله
أعيننا، يضع
السنفونية
لنسمعها بصوت
العسكريين الجزائريين،
الذين
يرتكبون في حق
الشعب جريمة الخيانة
والكذب،
يعزلون رئيس،
يوقفون مسار انتخابي
ويعلنون
الحرب تحت
غطاء "حمايـة
الجمهورية"
و"الحفاظ على
مكتسبات الثورة"
التي لم يراها
الشعب
الجزائري منذ
الاستقلال.
حرب مكوناتها
و خباياها
تفوح منها
رائحة
المؤامرة و إرهاب
الدولة
وجرائم ضد
الإنسانية،
جرعة قاتلة من
النوع "لا
لطاعون و لا
للكوليرا" و
"على الخوف أن
يغير معسكره"
أو "سنستأصل
كل من يرفضنا
ونجعلكم
تزحفون
كالكلاب
تقبلون أقدامنا
(5)".
الحرب
الإعلامية
كانت جزاء لا
يتجزءا من المواجهة
التي مزقت
الجزائر، لقد
كانت بمثابة الخطوط
الأمامية
لعملية
عسكرية دخلت
معركة غير
متكافئة
اختارت فيها
مواقع مميزة
تحت لواء
"الطاعون (6)"
الذي راح ولا
زال يقتل
الأطفال الأبرياء.
إذا كان
المتخندقين
مع النظام
العسكري في
هذا الميدان
لهم القوة
العسكرية
الكافية
ومتمكنين من
الإعلام، فإن
الدعاية التي
كانت تنشر من
طرف جهاز
المخابرات
منذ الانقلاب
العسكري لم
تكن ليكون لها
صدى لو لم يكن
في الغرب جو
ملائم لقبول
كل هذه
الدعاية. كانت
هذه الأقلام
الجافة من
الحقيقة تسيء
إلى الوطن
ووحدته تكتب
مقالات الموت
تفوح منها
رائحة الحقد
والكراهية
لتتقاضى أبخس
الاثمان. هذا
الوطن الغالي
والمتسع لكل
الجزائريين
مهما اختلفت
أفكارهم
يلاقي كلمات
تتهاوى عليه
كالسيوف من
ذوي القلوب
المرصعة
بالسواد
الضاغن،
متناسين
بأنهم
بفعلتهم
الشنيعة قطعوا
الجزائر
وانتهكوا
حرمة الوطن
الذي أصبح
عرضة لتفاهتهم
الصحفية.
الدعاية
الهدامة كانت
بالأحرى أن
تكون كتابات
هادفة ونافعة
تساهم في البناء
الفكري وحل
الأزمة و ليس
هدم لبنات و
صرح المجتمع
الجزائري.
هذه
الصحافة
الموجهة من
قبل المكتب
السيكولوجي
أبرزت منذ
البداية تعاطفها
مع الانقلاب
العسكري الذي
اعتبروه " استفاقة
وطنية" في وجه
المشروع
"الظلامي" فحسب
قراءتهم
للأحداث، فإن
الاعتقالات
والقتل لأناس
دون سلاح من
قبل أجهزة
المخابرات في ذلك
الوقت تعتبر
عملية "
أمنية" طالت
"إرهابيين"
وليس أشخاصا
ينتمون لحزب
سياسي مرخص له
بالتظاهر و
الاحتجاج. هذه
النقطة مهمة
لأنها منذ البداية
وضعت الحزب
الإسلامي وكل
من يرفض الخضوع
للبرنامج
العسكري
الجديد في
خانة "الإرهاب"
يستحق
الملاحقة
والقتل. وهنا
أسأل سؤال لهذه
الصحافة
المعتوهة، هل
قتل النفس
عندكم يساوي
قتل أمة؟
أليست الفتنة
أشد من القتل؟
التغيير
كان قادم لا
محالة ولذلك
أستبق النظام
العملية وكان
ينتظر من
سيكون كبش
الفداء ووجد
في التيار
الإسلامي
حصان طروادة
الذي سيدخله
المعركة
ويعزز وجوده
ونفوذه تحت
غطاء "الحرب
على
الكوليرا"
الذي أختارها
الشعب.
أمام
التقدم
الإسلامي الذي
حقق في وقت
قياسي، ووراء
النداء الذي
قامت به بعض
الأطراف من "المجتمع
المدني"
الموجهة من
قبل وبتفويض
من "الطاعون"
أصبحت اللعبة
مكشوفة وأول
الرقص هو قرار
تكوين
الجمعية
الرباعية (7) التي أعطيت
لها مهمة
التفكير في
إيجاد طريقة
"دستورية"
لتنحية
الرئيس
وإيقاف
المسار
الانتخابي.
يجب
التذكير هنا
أن كل هذا كان
يدبر في وقت
كانت الجزائر
وحسب المصطلح
التقني "لم
يتوفر فيها
بعد المحرك
التخريبي"
وهذا باعتراف
جهاز
المخابرات
الجزائرية في
تقرير أرسل
إلى قيادة
الأركان سنة1991.
التقارير
الموجهة إلى
قيادة
الأركان في
ذلك الوقت
كانت تتحدث عن
"الخطر"
والسؤال
الغريب الذي
كان يركز عليه
هو كيف يتم
تحقيقه؟
"الثورة
هي عملية صعبة
حتى تكون
تلقائية. هي
ليست عفوية.
هي عملية مخطط
لها، منظمة
وفي الأخير
تنفجر. هي
نابعة من
تقنية. في
الوقت الصفر
من نشوبها
يبدأ الجهاز
بالعمل. عندها
يفاجئ الجميع
لان تكوينها
غير معروف.
لهذا ودون
أدنى شك فهناك
طريقة لإيقاف
تطورها دون
أدنى عناء.
الثورة كما
يصفها لينين ويريدها
الزعيم ماو
تتحمض دائما
في المدن. فالمدينة
هي وسطها
الملائم التي
تلقي
بإشعاعها القوي
وتثير كل ما
حولها وهذا
مهما توسعت
رقعتها،
حينها يكون
النصر حتما قد
تحقق. الثورة
لا تنسى أبدا
المناطق
الشعبية التي
تحتضنها ثم
تغرس فيها."
هذا هو الفرق
بين ما يشخصه
الجنرال
الاسباني
دياز دى
فيلغاز في
كتابه المشهور
"الحرب
الثورية" وما
كان يجري في
الجزائر.
فالتغيير لم
يأتي من
الشارع بل هو
نابع من مخطط
وقائي أراد من
خلاله النظام
توطيد ركائز
حكمه، فبين من
كان يدبر لقلب
نظام الحكم ومن
كان يحتكم إلى
الشعب من خلال
عملية ديمقراطية
فرق شاسع،
فالذي يدبر
لثورة أو
انقلاب عسكري
يجعل من
الكتمان
عنصره
الأساسي،
يتحرك في
الخفاء حتى
يباغت خصمه
ويرق إلى
مبتغاه. كان
الوضع
الداخلي
للمؤسسة
العسكرية غير
مطمئن قبل
الانقلاب كون
القيادة
الجديدة قد
أبعدت الكثير
من الضباط
الوطنيين إما
بالإحالة على
التقاعد أو
النقل إلى
وحدات أخرى
خارج دائرة
التأثير مع
إيقاف عدد
كبير من
الضباط بتهمة
باطلة وملفقة.
يضاف إلى عودة
عناصر رجعية إلى
قيادة الجيش
جميعهم
معادين للقوى
الوطنية
المخلصة
وفشلهم في
حصولهم على
مناصب كبيرة في
ظل النظام
السابق هذا
الوضع كله
بالإضافة إلى
ما ذكرناه
سابقا من
إعادة هيكلة
الجيش هو من
بين المؤشرات
العديدة على
نية
الجنرالات في
القيام
بعملية
انقلاب تحت
غطاء
"الانفتاح الديمقراطي"
وذريعة
الجبهة
الإسلامية
للإنقاذ التي
دفعت ثمن
رفضها الخضوع
والسير تحت
ظلال المؤسسة
العسكرية. بين
طيات التغيير
المبرمج،
راحت الجبهة
الإسلامية
للإنقاذ تنشط
تحت أضواء
وعدسات أجهزة
المخابرات
التي كانت تدرس"
الميكروب"
الذي كان يهدد
كيان النظام مما
سيسهل عملية "
استئصاله" في
الوقت المناسب.
لم تكن
الحرب يوما في
الجزائر عبثا
و لم يكن القتل
والمجازر وكل
الفوضى التي
سميت بـ" من يقتل
من؟" التي
تبعتها هي
"فوضى
الحرب"، فالذي
قامت به
الجيوش
الفرنسية في
الجزائر
أثناء الاحتلال
وما يقوم به
الجيش الوطني
الشعبي ليس
محض الصدفة بل
هي نسخة طبق
الأصل لنظرية عسكرية
"طبية" طورت
واستخدمت ضد
الشعب للمرة
الثانية. رغم
ذلك، تدهشني
جملة الكاتب
خورخي لويس
بورخيس وهو
يصف إحدى حروب
أمريكا اللاتينية،
بأنها حرب
عبثية تشبه
صراع عجوزين
أصلعين من أجل
مشط ! في
الجزائر مثل
في الأرجنتين
أو في تشيلي
هي "حرب
تخريبية" ظاهرها
عبثي أو فوضوي
لكن باطنها
يحتوي على
عملية قاتلة.
في
المفهوم
العسكري "
للحرب
التخريبية"
والذي كانت
تمثله
"الجبهة
الإسلامية
للإنقاذ" في
الجزائر، يقول
أحد
الأخصائيين
العسكريين
"عندما يكون
الجسم
الاجتماعي
للوطن مريض
ومهدد بعدوى
تأكل أحشائه،
يكون هذا الجسم
مضادات، هذه
المضادات لا
يمكننا
اعتبارها بأي
شكل من الإشكال
ميكروبات".
هذا التحليل
الخطير الذي
قاله
للأميرال
سيزار أغيستو
قيزيتي وزير الخارجية
لديكتاتورية
فيدال سنة 1967.
يوضح لنا حجم
المشروع
العسكري و
همجيته الذي
طبق حرفيا من
قبل جنرالات
الجزائر
المجرمين.
فالحرب الثورية،
يصورها
مطوروها على
أنها عملية جراحية
بالغة الدقة
يقوم بها
أخصائيين
لتطهير جسم
المريض من
"جرثومة"
وذلك بتلقيح
الجسم بمضادات.
هذه المضادات
التي يقصدها
الجنرال هي
تلك
المجموعات
المسلحة التي
تغرس (تلقح) في وسط
الشعب والتي
تعمل على
إخراج
المقاوم وذلك
باستعمال كل
الوسائل
الإجرامية
ولا يمكن بأي شكل
من الأشكال
وصفها
بمجموعات
الإرهابية! المدهش
أن هذا الوصف
ينطبق
ويتماشى إلى
حد بعيد مع ما
نسمعه من
ألفاظ
ومصطلحات
يطلقها السياسيون
والعسكريون
في الجزائر
وفي العراق وغيرها
مثل "عملية
استئصال" "
نزع" " حثالة"
في الجزائر...
"عملية
اجتثاث"
"جرثومة" في
العراق... هذه
المقاييس
المتشابهة
والتي يختلف
استعمالها من
بلد لأخر
تلتقي جميعها
في تشخيص هذه
الحرب على
أنها عملية
جراحية وطبية
يقوم بها الطبيب
المتمثل في
العسكري ضد
إنسان نزعت
منه إنسانيته
ليصبح ميكروب
أو دون ذلك
وجب محوه من
الوجود. بشاعة
محو الأخر من
بشاعة محاربته،
و بما أن هذا
الإنسان قد تم
تجريده من إنسانيته،
فإن
"الميكروب"
ليست له حقوق
أي أنه أدنى
من الحيوان. و
بما أن
القانون
الدولي شاغر
من أي مادة
تنص عل حق "
الميكروب" في
المحاكمة فإن
مصيره الذبح
والاستئصال و
هذا ما ترشدنا
إليه سياسة
"الحرب على
الإرهاب" التي
أستعملها
جنرالات
الجزائر و...!
أما الحالة العراقية
فهي تجلب
السخط
والسخرية في
نفس الوقت،
لانه وبكل
صراحة أبرزت
الأنظمة
العربية وإعلامه
العبري الذي
يمارس
التضليل
والتهويم على
وجهه العفن.
هذه الأنظمة
التي تفتقد إلى
الحكمة جعلت
من ترابها
ودينها ميدان
قتال وأرغمت
شعوبها على
التخبط في حرب
مهلكة و طويلة
لا يعرف سوى
الله ـ عز وجل
ـ الى
أين
تمضي. (أنتهى)
ــــ
هوامش:
Office of strategic Services warfar (centre of FORT Bragg)
(1
2مجزرة
بن طلحة التي
تعتبر اكبر مجزرة
في الجزائر
و التي راح
ضحيتها أكثر
من 500 مدني.
3هناك
أكثر من 200.000
مدني تم
تسليحه من قبل
النظام الجزائري،
هذه الحالة
موجودة و
شائعة في العراق
اليوم.
4قضية
زنجبيل في
الجزائر و
كذلك استعمال
أجهزة
المخابرات
الأمريكية
هذا الأسلوب
في حروبه التي
خاضتها في
أمريكا
اللاتينية
وقبل ذلك
عملية العقيد
روجي ترنكيي
الفرنسي في
تمويل اعماله
السرية إبان
حرب الفيتنام
وقد ذكرها في
كتابه الحرب
الحديثة.
5عملية
"المصالحة
الوطنية"
التي تعتبر
مواصلة
للسياسة
العسكرية
الأمنية في
الجزائر
6الديكتاتورية
الفاشية
7الجمعية
الرباعية متكونة
من علي هارون
عضو في المجلس
الأعلى للدولة
، أبوبكر
بلقايد،
الجنرال
العربي بالخير
مدير مكتب
رئيس
الجمهورية،
الجنرال التوفيق
مدين رئيس
جهاز
المخابرات
المركزية
ـــ
*
ضابط سابق في
الجيش
الجزائري
ومؤلف كتاب
"الحرب القذرة"