algeriavoice.net
algeriavoice.net
algeriavoice.net

مرحبا بكم في موقع صوت الجزائر, ويسرنا استقبال آرائكم ومساهماتكم عبر بريد الموقع الإلكتروني

رسائل

أرواق خضراء

رأي حر

مفقود

دفتر الأيام

حوار

الذاكرة الجماعية

الدورة الدموية

وجهة نظر

الافتتاحية

الرئيسية

 

 

هندسة الموت

الجزء الأول

الفوضى البنـاءة أو التراجع المثمر

بقلم : الحبيب سوايدية*

في كل مرة يطل علينا الغرب بخبرائه وعملائه ليرينا نحن "البرابرة المتخلفين" ما جادت به عقول مفكريه من مصطلحـات مدهشة. ليست هذه المرة الأولى التي يتحفنا فيها الأكاديميون الغربيون بمصطلحات من النوع الثقيل كالتي تتالت علينا في زمن آخر ليس ببعيد. فقد أصبح صك المصطلحـات السياسية الغربية وخاصة الأمريكية تلقح به أنظمتنا من حين لأخر حتى تخدرت وتهاوت تحت تأثير المرض المزمن! ويبدو أن هذه الحرفة تحولت فعلا إلى علاج تزود به الأنظمة العربية المريضة كلما أرادت الإدارة الأمريكية وحلفاؤها ذالك. وسيكون من السذاجة بمكان الاعتقاد بأن هذه السياسة ليس لها أبعادها الخطيرة على الأمة. أن تجربتنا مع هذه المصطلحات الغربية المدروسة بعناية فائقة يراد بها أداء إستراتيجية بعيدة المدى وإدخال المنطقة العربية في دوامة من العنف. وقد تحولت هذه الخطة إلى مشروع بدأ تنفيذه بالفعل على أرض الواقع تحت شعار "الحرب على الإرهاب" و"نشر الديمقراطية" في المنطقة العربيـة, بمساعدة الأنظمــة العربية الموالية للسياسة الأمريكية والصهيونية لتتواصل عملية تفكيك الدول العربية والإسلامية بما يخدم مصالح إسرائيل.

بإدخال المصطلح الجديـد حيز التنفيذ والذي أطلق عليه اسم "الفوضى البنـاءة"، تكون الإدارة الأمريكية وأجهزة مخابراتها قد تأثرت بالمثال الجزائري القائل "خلطها تصفى" أو كمـا يصفها بعض المثقفين الفـرنسيين في الجزائر (La régression féconde) أي "التراجع المثمـر". فلو عادت بنا الذاكرة قليلا إلى الحرب القذرة التي عاشتها الجزائر والفوضى التي عمت البلاد خلال التسعينات وما نتج عنها من دمار، وإلى ما وصلت إليه البلاد في هذه السنوات الأخيـرة لاستنتجنا محتوى الرسالة.

فمصطلح "التراجع المثمر" على سبيل المثال، تم إدراجه في منتصف التسعينات بعد الانقلاب العسكري، وكانت الجزائر غارقة في حمام من الدم وحاول المروجون له من المثقفين الفرنسيين والجزائريين الإيحاء بأنها مرحلة أصبحت عقيمة بحجة ـ و هذا حسب الأستاذ (الهواري عدي) ـ أن الإسلاميين لم يبق لديهم تأييد شعبي كالذي كان لديهم قبل الحرب. لكن هذا التفسير كان موجها في الواقع للاستهلاك الخارجي، وكان بوسع أي متابع أمين لتطورات الحرب في الجزائر أن يدرك أن إرهــاب الدولة هو المتسبب في تكوين هذا الفراغ و"إسكات العدو الداخلي" بسبب " التراجع المثمر" الذي أصبح عقيما.

فحرب الجنرالات على ما يسمونه "إرهاب" أدخل الجزائر في دوامة من العنف راح خلالها نحو مائتي ألف قتيل وأكثر من خمسة عشر ألف مفقود ناهيك عن الدمار والخسائر المادية التي تقدر بمليارات الدولارات. لم تكن الجزائر لتعرف هذا الخراب الهائل لو لم يكن هناك مخطط برمجته بعض القوي التي كانت تريد السير بالبلاد إلى المنعطف الذي وصلت إليه اليوم، فالحرب كانت ذريعة أريد بها إرجاع الجزائريين إلى زمن الاستعمار والاستبداد والتخلف وخلق تركيبة جديدة للمجتمع الجزائري يكون أساسها التمييز والعنصرية بين الجزائريين. فالتحالف المقدس الذي تأسس إثر الانقلاب العسكري بين الجنرالات وبعض الشخصيـات السياسية التي كانت تدفع بالمؤسسة العسكرية إلى توقيف المسار الانتخابي وإرساء ما تسميه الأحزاب اليمينية "بالدكتاتورية العسكرية الفاشية" على شاكلة الأرجنتين والتشيلي خلال السبعينات بحجة الخطر الشيوعي تم توظيفه هذه المرة في الجزائر لوقف الزحف الإسلامي الذي فاز بالانتخابات. إثر الانقلاب وفي غياب رئيس جمهورية منتخب تواصل المخطط بتكوين جمعيـة أطلق عليها "المجلس الأعلى لدولة" الذي أعطيت له صلاحيـة غير دستوريـة لتسيير الأزمة وتحضير سياسة الحرب الشاملة ضد "العدو الداخلي".

في الحقيقة كان النظام الجديد وعلى رأسه الجنرالات متأثرا بالمنظومة العسكرية الفرنسيـة والتي سممت عقول العسكريين الجزائريين. قبل هذا كانت مهمة الجيش الوطني الشعبي كباقي الجيوش تقتصر على التدريب للدفاع عن التراب الوطني ضد أي عدو خارجي، ومع قدوم عام 1990 كان الجيش قد أعيد هيكلته من طرف الجنرال (خالـد نزار) وحلفائه وبإيعاز أجنبي ليتماشى مع التطورات الجديدة وقد تم إدخال المصطلح الجديد المسمى "العدو الداخلي" الذي ألحق ضمن برنامج هيئة الأركان المتكونـة حديثا. الدليل على ذلك هو التصريح الصحفي للجنرال خالد نزار لجريدة الوطن والذي يؤكد فيه أن "الفضـل الأول والأخير في احتواء أزمة 5 أكتوبر 1988 وإيقاف المسار الانتخابي وإعلان حالة الطوارئ يرجع إلى إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية" ثم يواصـل ويقول "...لقد تمكنا من تركيز القيادة وذلك بتكوين فرق بديلة للوحدات العسكرية المتفرقة، ثم أتممنا حل الألوية... تخيلوا للحظة ما الذي كان سيحدث لو لم تكن هذه الوحدات قد أعيدت هيكلتها قبل إيقاف المسـار الانتخابي، تخيلوا ردة فعل هذه الوحدات في اللحظـة التي نادت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ للعصيان. كان سيؤدي بالجيش إلى الانقسام."

لم نكن ندرك مغزى هذا التغيير الشامــل في هيكلة الجيش وأجهزة المخابرات إلا بعد فوات الأوان، الكل كان يعتقد بأن هذا التغيير هو برنامج يدخل ضمن تطوير المؤسسة العسكرية، ولم نتصور للحظة أن هذه الهيكلة الجديدة كان الهدف من ورائها قتل  الأخ لأخيه والطالب لأستاذه، والصديق لصديقه... بمعنى أخر، غير الجنرالات من المهمة الدستورية للجيش الوطني الشعبي التي كانت تتمثل في الدفاع عن التراب الوطني ليصبح التراب الوطني هو ميدان المعركة الوحيـد الذي تحارب فيه "الأفكار التخريبية" التي تهدد "الجمهوريـة". الهدف الرئيسي الذي استنتجته من هذه الحرب المعلنة على الشعب هو ليس فقط تلك التصريحات الرنانة "للمثقفين" الذين يتغنون بفضائل " الحفـاظ على الجمهورية" وعلى " الديمقراطية" من "الخطر الإسلامي" بل الهدف منه كان ولازال تدمير الإنسان الجزائري، وتفكيك الهوية الجزائرية وضرب العقيدة الجزائرية. 

بالفعل منذ نهاية الثمانينات وإلى غاية الانقلاب العسكري سنة 1992 كان قادة الجيش يهيئون أنفسهم لخوض المعركة التي سيتعاملون فيها مع الشعب الجزائري كجيش احتلال ليس إلا، وهذا ما أثبتته التصريحات العسكرية لقادة الجيش وتطورات الحرب خلال العقـد المنصـرم وهذا أيضـا ما استخلصتـه النظرية الفرنسية التي تماشت مع متطلبـات جنرالات الجزائـر، التي كان العسكريون الفرنسيون يعتبرونها عمليـة جراحيـة، لان العضو المتلقي جاهزا والعملية أتت في وقت تاريخي مميز.

فمظاهرات أكتوبر 1988، لم تكن بالضرورة نتيجة حتمية لإفلاس الدولة الجزائرية حتى وإن كانت هذه الأخيرة قد ساهمت في تفجيرها، وقد انتبه الإخصائيون العسكريـون لهذا العامل الرئيسي ووظفوه لصالحهم وذلك باستباق إشعال الشارع حتى يستطيعون احتواء الأزمة وتغيير الخريطة السياسيـة الجزائرية. فالسيناريو العسكري الذي أعدته أجهزة المخابرات المركزية والمستنبط من المختبر الغربي يدعى "comment violé la foule ?" أي "كيفية اغتصاب المحتجين": أمام الاحتجاجات العارمة وغير المنظمة ـ التي تميزت بالتخريب والتكسير ـ أعطي الضوء الأخضر لأول مرة في الجزائر للمخطط المضاد للتخريب والذي أعلن فيه الجنرال خالد نزار حالة الطوارئ بموجب "قانون الطوارئ", الذي يعتبر نسخة طبق الأصل لذلك الذي كان سائدا تحت حكم "فيشي" والصادر سنة 1945! وأعلنت خلالهـا الجزائر العاصمـة منطقة عسكرية حيث تم إقحام وحدات القوات الخاصة التي كانت جاهزة وتنتظر الأوامر. خلال بضعة أيام استفاقت الجزائـر على الكابـوس المروع: أكثر من 500 شـاب جزائري سقطوا برصاص القـوات الخاصة (الفوج 12 مظلي صاعقة، الفوج 25 للاستطلاع، الفوج 90 شرطة عسكريـة، الفوج 4 محمول جوا) وألاف آخرين تم اعتقالهم ونقلهم إلى معتقلات خاصـة حيث تم تعذيبهم من قبل رجـال المخابرات. "بنجاح" المناورة العسكرية في تدمير (الشغب التخريبي) ـ حسب قول الجنرال خالد نزار في كتبه ـ أعلن النظام الجديد الحرب على الشعب من خلال مناورة عسكرية حقيرة أكسبت القيادة والجيش النظرة والخبرة في التعامل مع "ألأعمال التخريبية" التي سيطورونها فيما بعـد لتصبح "أعمال إرهابيـة". في هذه العملية استعملت كل التقنيات المكونة والمفككة للحرب الثورية استعدادا للتطورات السياسيـة التي ستفرزهــا المرحلة الانتقالية.

بمفهوم آخر، وبعيدا عن كل تلك التأويـلات العقيمة التي كانت تصدر من حين لآخر عن المتسبب في إخراج الشباب إلى الشوارع، فإن عملية أكتوبر كانت مختبـرا ومقدمة بسيطة لما كان مبرمجا للجزائريين. أكتوبر لم يحقق شيء للجزائريين بل حقق كل شيء للنظام وأعلامه: الصحافة الناطقة باسمه، الأحزاب العسكرية، الرؤساء والوزراء العاملين بأمره، الدساتير المتتالية ببركاته، المصالحة المكتوبة بأقلامه والشعب المغلوب على أمره بسيف الحجـاج المسلط على رأسه. نعم المستفيد الوحيد هو النظام وجنرالاته الذين قلبوا الجزائر رأسا على عقب. فالمناورة كانت تهدف إلى:

1ـ تجربة فاعليـة التركيبة الجديدة للوحدات العسكرية وجاهزيتها لخوض معركة ضد الشـارع الجزائري.

2ـ تحضير الجو الملائم لتفجير الوضـع وإعادة نشر قطاعات الجيش حسب أولوية النواحي العسكرية قصد احتواء الشعب من أقصي البلاد إلى أقصاها، والمثال على ذلك هو تكوين الفرقة الأولى مدرعة في الناحية العسكرية الخامسة، وتكوين الفرقة الثامنة مدرعة في الناحية الثانيـة، والفرقة الثانية عشر مشاة ميكانيكية في الناحية الأولى بالإضافة إلى إنشاء عدة وحدات خاصة (كل هذا تم قبل الانقلاب بعدة سنوات).

بالإضافة إلى كل هذا، تم تقسيم الجزائر على الطريقة الفرنسية التي استعملها العقيد (روجي ترانكيي) إبان حرب الجزائر الأولى (ناحيـة، منطقة، قطـاع وهكذا...) مما منح الجنرالات بناء هرميـا "لمكافحة الإرهاب" يستطيعون من خلاله السيطرة على جميع العمليات واقتصاد القوى العسكرية في الزمان والمساحة. ودائما تحت تأثير التجربة الفرنسية وبمساعدة تقنية، كتب الجنرالات تقريرا مستنبطا من إحدى الدراسـات العسكريـة بإسم "conduite de la guerre révolutionnaire" أي "توجيه الحرب الثوريـة" والذي وضعه النظام كأساس لمواجهة مستقبلية وحتمية مع الجماعات المسلحة، بالإضافة إلى عدة دورات تدريبية قام بها ضباط قادة الأركان في فرنسا نهاية الثمانينات وبداية التسعينات.

المدارس العسكرية الفرنسية المتخصصة في تلقين "الحرب الثورية" لا تكتفي فقط بتدريس هذه النظرية للمتربصين بل تخصصت أيضا في تعليم الخلفية السياسية والتي تمثل المحرك الديكتاتوري. فالنظريـة الفرنسيـة تقول إن "المشكل ليس فقط عسكريا بل هو أيضـا سياسيا، اقتصاديا، ثقافيا أي شاملا..." ومن هنا تكون الدائرة قد اكتملت لأن المعادلة ببساطـة تقول إن الحرب الشاملــة تتطلب نظاما شموليا وهكذا يكون النظـام العسكري الجزائري قد فوض من قبل "دعاة الديمقراطيـة" لإسكات العدو الداخلي وتنصيب نفسه النـاطق الرسمي باسم " الشعب الجزائري".

مع بداية "الانفتـاح السياسي" كانت المؤسسة العسكرية على استعداد كامل للمواجهة مع "العدو الداخلي" الذي ستفرزه الانتخابـات، فأجهزة المخابرات كانت على يقين بتوجهات الشارع الجزائري وقد تم إخبار القيادة العسكرية "بالخطر الإسلامي" الذي رحبت به وشجعته ليس حبا فيه بل حبا في "استئصالـه" و"إظهاره للعالـم على أنه العدو الأوحد الذي ينبغي على المنظومة الدولية محاربته". بقي على الجنرالات إيجاد الرداء الذي سيلبسونه إياه حتى يجدوا التأييد والدعم. هنا يدخل الإعـلام بكل ثقلـه في الحرب ليستخدم كسلاح سيكولـوجي يضلل به الشعب عن "الجماعـات المسلحة" ومنع الدعم عنـه، ويضلل به الخارج لإيجاد الدعم السيـاسي والعسكري لتبرير القتل والتعذيب. فعملية التشويـه للعدو تأخذ منحى راديكالي إلى حد السخريـة حيث تصفه "برجل أشعث، ذي لحية طويلـة ومخيفة، بشع المنظـر، يلبس قميصا أو جلبابا، يذبح، يقتل، يغتصب، يعذب، جاهل، أمي، مختل عقليا ونفسيا، راديكالي، متعصب، أصولي، ينتمي إلى الفئة الضالة..." ببساطة يكون "العدو الداخلي" كما وصفته (ليلى عسلاوي) و(رشيـد بوجدرة) "un infrahumain" أي حثالـة يستوجب محوه من الوجود. بعبـارة أخرى يطبق النظام الجزائري ما قاله القس الألماني (ديتريش فون نيكان) سنة 1411 وهذا على لسان أحد أخصائي الحرب الثورية أثناء إلقائه لدرس في هذا الموضوع: "عندما تكون الكنيسة مهددة، فإن هذه الأخيـرة تتوقف عن احترام قوانين المبـادئ والضمير. عندما تكون النهاية هى الإتلاف فكل الأساليب تصبح مباحة: الخيانة، الخداع، العنف، التعذيب، السجن، القتل. لان الأفضـل للجميع هو النظام، ويجب التضحيـة بالفرد من أجل سلامة المجتمع." (يتبع في بحول الله)

ـــ

* ضابط سابق في الجيش الجزائري ومؤلف كتاب "الحرب القذرة"