algeriavoice.net
algeriavoice.net
algeriavoice.net

مرحبا بكم في موقع صوت الجزائر, ويسرنا استقبال آرائكم ومساهماتكم عبر بريد الموقع الإلكتروني

رسائل

أرواق خضراء

رأي حر

مفقود

دفتر الأيام

حوار

الذاكرة الجماعية

الدورة الدموية

وجهة نظر

الافتتاحية

الرئيسية

 

 

الخصوصية الثقافية في عالم الصراع

كتبته منى جمال الدين | صوت الجزائر | 22 أبريل 2007

لقد بات اليوم الثقافات عبر العلم في خطر محدق يهدد كيانها وتواجدها بسبب التزاحم والتدافع وانتهاك حرمة بعضها البعض كل هذا وما أثارته الحركة غير العادية في العلم وموجة التغيرات السريعة التي أحدثتها العولمة، مما أصبح يستوجب الحذر والحيطة وكما يقول "هنتنغتون" (1)في هذا العالم الجديد تجد الإنسان نفسه يتخبط في أزمات الهوية ويضطر للجوء إلى الآخرين الذين يشتركون معه علاقات الدم، والقربى والإيمان والعائلة، ويهرع الناس ليتحدو مع آخرين يشاركونهم المعتقد والدين واللغة والقيم... ويبتعدون عن الذين يختلفون عنهم في تلك العلاقة".

ولكن الخطر الثقافي الذي سيهدد الخوصيات الثقافية ليس الذي تحدث عنه "صامويل فتغثون" في كتابه صراع الحضارات والذي تحاول فيه أن يصور خطر بعض الثقافات التي ترتكز بالدرجة الأولى على الدين كالثقافة، ولكن الخطر الحقيقي لا تشكله هذه الثقافات بل على العكس من هذا، في أن التحرشات المفضوحة التي يقوم بها مروجو العولمة هي التي تثير هذه الثقافات وتدعوها إلى الصراع الذي ستحاول من خلاله أن تدافع عن قدسية ثقافتها لأن المتعارف من أن كل شيء يتصل بصميم المشاعر والعقائد والأنماط الثقافية الشاملة لا يمكن محوه بهذه الطريقة مما سينجم عنه "صراع حضاري" في ردود الأفعال، وستصدق نظرية "هنتنغتون". ولكن مع إختلاف أو فارق بسيط أن الحضارة القوية هي التي ستشكل خطر على الثقافات الضعيفة التي ستحاول أن تحافظ على خصوصياتها الثقافية.

 

مفهوم الخصوصية الثقافية:

يحدثنا برهان غليون (2)ويقول: "إن أول ما ظهر وبرز هذا اللفظ بمناسبة المفاوضات بين منظمة التجارة العالمية (GATT) في الأوروغواي عام 1993 حيث دار النقاش حول التناقض بين منطق الربح الجشع للشركات المتحدة الجنيات، والمنطق الثقافي للمبدعين، وكان النقاش يومها بين المثقفين، وبين متصرفي اقتصاد السوق العالمية، والأخص النظام الأمريكي حول الدفاع عن استقلالية المجال الثقافي بالنسبة للمجال الاقتصادي، وقد كتب "أو كتافيوباز" بأن الخصوصية الثقافية تعني رفض قبول القوة المهنية للمنطق السوق حتى لا نضحي بالتالي بوعينا وإنسانيتنا وبهذه المناسبة حاولت أوروبا وعلى رأسها فرنسا من أجل الدفاع عن وقعها في السوق، أن تفرض مبدأ الخصوصية  الثقافية، ولكن المفاوضين الأوروبين لم ينجحوا إلا جزئيا- في تحقيق ما طالبوا ـ لم يحصلوا إلا على الموافقة على مبدأ التعامل الخاص المحدود في مجال الإنتاج الثقافي السمعي والصوتي".

لقد أدركت أوروبا الخطر الذي تشكله المنافسة الاقتصادية أدركت أيضا أن الاعتبار المبادئ لا ينفصل أبدا عن النفوذ الثقافي، وموقفها هذا كان بدافع حماية الإنتاج الثقافي الأوروبي والدفاع عنه في السوق العالمية، للحد من الهيمنة الأمريكية التي تكتسح دول العالم بإنتاجها الثقافي الواسع، وبالتالي تحاصر الثقافات الأخرى وتهمشها، بل تقضي على الثقافات التي لا تساندها القوة المادية والتكنولوجية اللازمة.

وإذا ما كانت أوربا تخاف على نفسها من الاكتساح الأمريكي لأسواقها الذي يعني التشويش على ثقافتها في محاولة دفاع، فما الذي سيكون عليه حال الثقافات الضعيفة التي حتما لا تستطيع على ضربات الأقوياء خصوصا في رحمة الإنتاج الثقافي الهائل الموجة لها الذي تقوده أمريكا في بالدرجة الأولى ثم أوربا ثانيا. وإذا قلنا أنها لا تملك أليات التصنيع الثقافي الذي وإن حصل فهو يتطلب إمكانيات هائلة وضخمة، قد ذكرها "جان بيار ورنياي" في كتابه "عولمة الثقافة"(3).

ـ إمكانية مادية ضخمة ومبالغ كبيرة.

ـ تقنيات الإنتاج الكمي الكبير.

ـ التسويق التجاري للإنتاج.

ـ المبدأ الذي يقوم عليه المنطق الاقتصادي الرأسمالي الذي يجعل من المنتج الثقافي عاملا ومن المنتج بضاعة تجارية.

ـ بالإضافة إلى ذلك ظاهرة الإندماجات بين عمالقة صناعة الإعلام وصناعة السينما ودور النشر وشركات برمجة للكمبيوتر والانترنيت (شركة أم س آس) (MSS) الاتصالات الألياف الصوتية مع مؤسسات روبرت مردوخ الإعلامية، وشركة ورنو للاتصالات مع التمايز-دار النشر الصحفية ثم مع مؤسسة (CNN))

وفي ظل هذه الظروف والأوضاع "من احتكار الدول الكبرى أو مجموعة القادة "leaders" التي تتصدرها و م أ التي يبلغ حجم صادراتها بـ 206 مليار دولار تليها اليابان بـ 126 مليار دولار"(4)، تجد دول الهامش نفسها مكبلة اليدين نحو قضاءها وقدرها، تسعى فقط للحفاظ على الهوية الحضارية أو ما تبقى لهما منها في معركة صعبة لا تدري إن كانت تستمر فيها أو تستسلم، ولعل أهم هذه التحديات التي تواجه الثقافة وأصعبها هي:

 

ازدواجية علاقة ثقافة/ اقتصاد(5):

إن المشهد الثقافي العالمي الجديد حافل بالإنجازات والإمكانيات الهائلة التي يفترض أن تحقق للإنسانية نهضة حضارية شاملة، يستفيد منها كل بني البشر جسما كانوا، ومهما كانت أصولهم وثقافاتهم ومعتقداتهم وأنماط عيشهم، فالمستندات في عالم تكنولوجيا الاتصالات والاختراعات في مجال عيشهم، فالمستندات في عالم تكنولوجيا الاتصالات والاختراعات في مجال التعبير والإبداع والتفكير والتعليم والترفيه، تتبع أكثر من أي وقت مضى للمبدع والمنتج الثقافي المستهلك على حد سواء قدرات مهمة ومجالات استفادة واسعة.

إلا أن طبيعة العولمة الاقتصادية وسعيها لـ "يتسع" كل السواء ومجالات الحياة وإخضاعها لقواعد التجارة العالمية، أصبحت طرح تساؤلات كثيرة حول العولمة.

ولم تخل لقاءات منظمة التجارة العالمية من النقاشات الحادة حول طبيعة التعامل مع السلف الثقافي والتي لم تفض إلى اتفاق وإجماع.

السؤال: هل بإمكان الثقافة أن تندمج في المنطق العام لتحررية الاقتصادية والتجارية شأنها في ذلك بقية المنتجات والخدمات؟.

وبثير هذا اتجاهين متعارضين: اتجاه يعتبر المواد الثقافية مواد ترفيهية، يتعامل معها كغيرها من المواد والسلع التجارية الخاضعة لمقتضيات الحرية المطلقة للتجارة العالمية التي تجاورت التعامل الاول إلى متعدد الأطراف، واتجاه ثان يعتبر المواد الثقافية مواد تحمل فيما وأفكارا أو معاني وبالتالي بتعامل معها كوسائل اتصال اجتماعي، تساهم في نحت الهوية الثقافية، وبالتالي يستثنيها من حقل الاتفاقات التجارية العالمية.

 

الجهل بالآخر:

إن من عواثق التواصل الحضاري بين الشعوب والأمم الجهل القائم بثقافة الآخر وحضارته ومن المفارقات الحاصلة اليوم أنه في عصر تطورت فيه وسائل الإعلام ووسائط الثقافة تطورا هائلا يسمح بالتعارف التبادل يستمر هذا الجهل بالآخر (أو تجاهل الآخر).

إن عدم إدراك ما عند الآخر من الخصوصيات والمكاسب الحضارية يسبب التفريط في جانبين (6)׃

1 ـ عدم الاستعادة من رصيد الآخر بما يمكن أن يكون عامل إثراء مفيد.

2 ـ محاكمة ثقافة الآخر وحضارته إلى نظرة متنوعة من واقع مختلف وقائمة على منطلقات مختلفة، لا يمكن تطبيقها على تلك الثقافة وتلك الخمارة وفي هذا الصدد يقول "جان بيار ورنياي" "عولمة الثقافة" قد تبدو لنا حركة الآخرين غير مفهومة، بسبب أننا لا تملك المعطيات التي يبنون عليها حساباتهم ومن الأمثلة: الصورة النمطية السلبية التي أخذت عن الإسلام والمسلمين وما تبعه من اتهامات.

3 ـ التنوع الثقافي والخصوصية الثقافية (7):

تلعب وسائل الاتصال الحديثة دور كبيرا في تشكيل ثقافة الإنسان المعاصر فهناك ما يقارب 500 قمر صناعي، يحلقون في سماء كوكبنا، ولهما القدرة على إمطار الشعوب بالصور والمعلومات والأفكار لقد زالت الحدود أمام ثقافة الصورة فازدادت سلطتها ونفاذها، وأصبحت تمثل تهديدا للخصوصيات الثقافية المحلية وبات خطر التنميط الثقافي محدقا بالأمم الضعيفة، التي لا تستطيع مواجهة سيادة ثقافة الأقدر اقتصاديا وإعلاميا على الاختراق والانتشار، ولا يختلف اثنان في أن ثقافة العولمة هي ثقافة استهلاكية بالأساس ترمي إلى توحيد الأذواق و تماثل الميولات من أجل اقتناء السلع التي تشجعها كبريات الشركات العالمية العملاقة. وتقف وراءها اللوبيات العظمى.

 

مستقبل الخصوصيات الثقافية والحلول المرجوة:

إن الإقرار بحلول نهائية وتصورات جاهزة لتأمين مستقبل الثقافة إدعاء غير موضوعي، فالظرف الراهن شديد التعقيد وكثير التقلبات، وفي هذا الظرف بالذات على الثقافات الضعيفة أن تعيد القراءة في الواقع العالمي والمحلي الذي هو بصدد التشكل وفق هذا التحول خصوصا في مجال العلاقات الدولية والسياسات الثقافية.

وبهذا الخصوص تتراوح المواقف بين الرفض والقبول وبين المحاولات التوفيقية ولعلنا تختار الموقف الأقرب للواقع والحقيقة:

في أن التبادل الثقافي هو شرط للبقاء الأول لكل الثقافات الإنسانية التي لا تريد أن تسقط في القدم والجمود والتحجر وفي أن الإستسلام والتسليم تقتل فينا ملكة الإبداع والإنجاز. وأن الحوار أو مشروع الحوار الذي يتحدث عنه البعض في مثل حالنا غير مجدي لأننا نحاور الآخر الذي هو أعلى منا درجة .يملك كل وسائل القوة، والمحاور هم نحن الشعوب المغلوبة لا نملك أدنى شروط التحاور فكيف يكون حوار وكيف يستمر.

من هذه الحقائق لا ينبغي أن تتحول مساعينا للمحافظة على الهوية دون وعينا بما يمكن أن تؤدي إليه جحافل ثقافة وافدة إلى نزعة حمائية تؤدي إلى الإنغلاق والبقاء على هامش التاريخ ولكن يجب ان يدفعنا إلى:

1 ـ تبني سياسة ثقافية تقوم على تحصين الذات بتطوير الإنتاج الثقافي، الوطني ودعم الإبداع في شتى المجالات.

2 ـ تمويل المشاريع الثقافية والفنون، وإن كانت مساندة القطاع الثقافي لا تمكن أن تكون مسؤولية قطاع أو سلطة دون أخرى.

3 ـ دور المثقفين الريادي الذي يؤكد عليه "أركون"(8)׃ "أن المثقفين من كلا الجانبين هم الوحيدون القادرون على تحقيق الوئام، وهذا العمل يجب أن يكون بعيدا عن إرادات الهيمنة".

كما يرى حسب وجهة رأي أخرى: "أن أوروبا من خلال تشكل الاتحاد الأوروبي الذي تجاوزبه العصبيات القومية الضيقة، هي القادرة على إيقاف الانحراف الإيديولوجي للغرب المهمين، فاذا استطاعت ان تتجاوز تاريخها الاستعماري، وتفتح صفحة جديدة، وكذلك تعيد صلتها بتراثها الانساني التنويري، فهي اذن القادرة على مساعدة الدول العربية والإسلامية، نتيجة القرب الجغرافي، والعلاقات التاريخية والثقافية التي تربط العالمين."(9)

إن مستقبل الهوية الثقافية والخصوصيات مرهون بنا وبالأجيال القادمة، فنحن مطالبون بتنشئة جيل متأصل في حضارته، متشبع بأنبل قيمها من تسامح ووسطية وانفتاح على الأخر...

 

1) صامويل هنتغتون، صدام الحضارات، بيروت، مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق، 1995.

2) مجلة الاحياء، العدد 6، سنة2002، مقال للدكتور احمد جاب الله، الخصوصيات الثقافية وموقعها في الحوار بين الحضارات، ص162.

3) المرجع نفسه، ص163.

4) مجلة المستقبل العربي، العدد293، سنة2003، مركز دراسات الوحدة العربية، من مقال الدكتور المنجي الزيدي، الثقافة والمال ومستقبل التنمية الثقافية العربية، ص72.

5) المرجع نفسه ، ص73.

6) المرجع السابق، مجلة الاحياء، ص177.

7)المرجع السابق، مجلة المستبل العربي، ص76.

8) محمد اركون، الاسلام اروبا الغرب رهانات وارادات الهيمنة، ترجمة هاشم صالح، بيروت، ص35/36.

9) المرجع نفسه، ص39.