المدينة
الحزينة
فائزة م.
خالد | صوت
الجزائر | 5
أفريل 2006
داعب
نسيم البحر
وجهي من بعيد
ورأيت الأفق
حيث التفت
السماء
بالبحر
ليرسما أجمل
الصور ولاح
عمران
المدينة
الكبيرة؛ تلك
المدينة التي
حلمت برؤيتها
منذ الطفولة
ولطالما أحسست
بشيء يجذبني
نحوها
ويجعلها
مكانا مميزا
في نظري؛ ربما
كان ذلك بسبب
قصصها
الكثيرة التي
كنت اسمعها،
قصص مدينة
غريبة غاصت في
الأحزان رغم
لحظات الفرح
التي كانت
تزينها بين الحين
والآخر وترسم
على شفاه
سكانها
ابتسامات
حائرة رغم
المحن.
العمران
فيها انسجم
بين قديم
وحديث ينسج
بذلك خليطا
متناغما يحكي
للمتأمل قصة
المدينة...
وعند إطلالك
من ذلك العمران
تنظر الى
البحر وتراه
يرسل رسائل
الوفاء الى
الارض مع
أمواجه التي
تتردد الى
شاطئ المدينة،
ثم تتأمل من
جديد حدود ذلك
البحر، فتسيح بنظرك
نحو السماء
لتتيه في مشهد
من الإجلال
والإكبار
لعظمة
الخالق،
وسرعان ما
تستوقفك تلك
الارض
الخضراء وهي
تلبس أحلى حلة
فتأسرك...
ولكن
الأرض ما تلبث
أن تنتفض
لتقول لك: "
ليس كل ما هو
جميل يعني
السعادة فخلف
كل صور الإبداع
التي تراها
تكمن جروح لم
تندمل بعد؛
وراء كل هذا
قصة حزينة
...
وراء
ذلك العمران
جوع وظلم ويتم
... حكايا
حجبتها
الجدران بصلابتها
...
مياه
ذلك البحر
خالطتها
الدموع
والدماء فصرخت
من أعماقه كل
الكائنات:
أوقفوا
القتل... ولكن
من يسمع
النداء!
تلك
السماء شهدت
عبر الأيام
أبشع الجرائم
فتلبدت
السماء بغيوم
سوداء، وخلفت
وراءها بذور
الحقد والثأر
فبكت السماء
لتغسل
الجدران من
وصمات العذاب...
لكن هيهات أن
تشفي تلك
الدموع آلام الصدور...
هيهات أن تروي
تلك الدماء
عطش الأرض... وهيهات
أن ينسى
السكان لحظات
الأسى...
على مر
العصور وقف
العمران
صامدا في وجه
أعاصير
الطغيان، وظل
البحر يمد
أيديه عبر
أمواجه الهائجة
حينا
والهادئة
حينا آخر؛
يدفعها نحو الشاطئ
حيث آلاف
المظلومين
ينتظرون
الأمل على الأرض
التي حملتهم
أمواتا
ورمتهم أحياء!
هناك
على الشاطئ
حيث تقف أم
ثكلى تبكي
أبنائها
وتبعث
بآلامها عبر
الآهات؛
بعبراتها
تروي قصص مئات
الثكالى... حين
لا يرحم الغدر
حتى الأمومة...
هناك
بين البيوت
الفقيرة حيث
يقف صبي كئيب
يبحث وسط
البرد عن دفء
الأبوة ؛ وسط
الذل يبحث عن
معاني
الشجاعة: (هل
هي قتل أعزل
أم قتل بريئ؟) ...
يقف والحقد
يغزو كل
المدينة!
اليوم أخذ
أباه وغدا
يأخذ كل من
يحب، ويأخذ
معه في كل يوم
الأحلام
والطموح... فهل
سيرحم الحقد
تلك الصفحة
البيضاء ؟
هناك
وسط القبور
تهيم امرأة
على وجهها
تبحث عن قبر
زوجها يتبعها
صغار حفاة؛
يبكون لبكائها
ويتبعون
صرخاتها
بآهات
متفرقة... بحثت
عن حاميها فلم
تجده لم
يتركوا لها
دليلا ولا
قبرا؛ فلم
تعرف أحي هو
أم ميت ؟...
لكنها فقدت كل
ما تملك بفقده،
هدموا البيت
ففقدت الأمان
والعزة،
أخذوا الزوج
ففقدت الحب
والحنان...
فقدت نفسها
فلم تدري ما
تفعل؟...
خرجت
بعد طول
العناء تبحث
عن عمل وتركت
الصغار
ورائها يبكون
آلام الجوع
والخوف؛
تركتهم أمام
أنقاض البيت
يبحثون عن
قطعة خبز وليس
عن لعبة! حين
تتصلب القلوب
فهي كالحجارة
أو أشد، تذوب
قلوب
المعذبين
كحبة سكر في
كأس من الدماء
...
هناك
يجلس عجوز
مطاطئا رأسه
مستندا إلى
عصاه يحكي ذل
انكساره وقصة
العار؛ سجن
الابن وترك وحده
يحمل هم
العائلة،
ولكن العار
جاء واخذ ما
هو أغلى وأمر...
أخذوا ابنته!
لم يكن بيده
حيلة، ويوم
خرج الابن من
سجنه حمل
السلاح
لينتقم لعرضه
... مات الابن
ولم يغسل
الشرف وظل
العار جاثما
فوق صدر العجوز...
حل
المساء سريعا
وغادرت الشمس
مودعة المدينة
وهي تختفي عند
الافق والشفق
الاحمر ينذر
بانتهاء
النهار...
وجاءت
النجوم لتزين
السماء
ببريقها؛
وظهر القمر
فزادها جمالا
وبدا كجوهرة
تشع وسط
الظلام؛
ينعكس ضياءه على
صفحة البحر
وهو ينير
الارض في سكون
وهدوء... تأملت
ذلك المنظر
الرائع ولكن
نسيما باردا قدم
من عمق البحر
غمرني وراح
يكمل بقية
القصة:...
"هناك
بعيدا خلف
قضبان السجون
يقبع مئات
المظلومين
ينحتون على
الجدران آلام
التعذيب وصبر
الرجال؛
يبثون
أشواقهم عبر
ضوء القمر
ويروون
للنجوم مأساة
الأسر وقصة
الحرمان،
يحملون
قيودهم وفي
قلوبهم أمل
بالحرية...فمتى
يا ترى يرون
نور الحياة من
جديد ؟
هناك
بين جدران بيت
قديم يجلس
سجين طليق
يناجي الله
ويدعوه أن
يرزقه الثبات
والهداية، خرج
من سجنه فرحا
فإذا به في
سجن آخر حدوده
أرض الوطن...
وجد العالم من
حوله تغير لم
يبقى شيء مما
كان...لم يجد
أخاه ! رفيق
الطفولة
والدرب... لم
يجد أصدقاء العمر...
فغدى غريبا
على ارضه...!
هناك
وهناك في كل
زاوية قصة
غريبة تحكيها
دموع الضحايا
سرا وجهرا،
ويكتبها
القتلى بدمائهم
على صفحات
التاريخ...".
غادر
الليل ببطئ
وأنا أتذكر
مآسي ذاك
الشعب الأبي،
و أتأمل سماء
وطنه وأرضه
التي طالما جادت
عليه
بالخيرات
وجاد عليها
بالأرواح؛
فداها
بالغالي
والنفيس ولم
يتردد... حررها
من كيد الأعداء
فمضوا وكل مرة
يذهبون ويأتي
آخرون أشد
قسوة ومكرا!
والشعب وحده
يدفع ضريبة
الأسر... آه متى
تشرق شمس
النصر متى...؟!
غادرت
المدينة مع
بزوغ أنوار
الفجر وأنا
أتأمل مرة
أخرى ذاك
البحر الواسع
وكأنه يبعث
الأمل ويجدد
العهد في كل
صبح جديد مع
تلك المدينة
التي خالط
الجمال فيها
آلام السنين...
ولكن شوقها
للغد الأفضل
جعلها صابرة
رغم أصوات
الأنين التي
تتعالى في كل
مرة ...
ومع
النسيم أرسلت
لها برقية حب
وأمل: "صبرا
يا عرين
الأبطال فان
الفرج قريب...
سيذهب عنك
القهر والأسى
وسيغادرك
يوما كل
المجرمون
فالله لا يضيع
دعوى
المظلومين؛
ويومها سنبني
فيك صرح
المعالي
وسنعلي فيك راية
المسلمين
قائلين: الله
اكبر... فالله
أكبر فوق كيد
المعتدي...
والله
للمظلوم خير
مؤيد".