algeriavoice.net
algeriavoice.net
algeriavoice.net

مرحبا بكم في موقع صوت الجزائر, ويسرنا استقبال آرائكم ومساهماتكم عبر بريد الموقع الإلكتروني

رسائل

أرواق خضراء

رأي حر

مفقود

دفتر الأيام

حوار

الذاكرة الجماعية

الدورة الدموية

وجهة نظر

الافتتاحية

الرئيسية

 

 

النقيب أحمد شوشان في حوار مع صوت الجزائر[2 ـ 3 ]

*) مجزرة البرواقية هي باختصار جريمة موصوفة ضد الانسانية...

*) السكوت على العبث بالذاكرة الجماعية للشعب الجزائري, والتجني على الشرفاء من أبنائه تواطؤ على الشر لن نقع فيه إن شاء الله.

خاص بصوت الجزائر | الجمعة 30 جانفي 2004

ـ تطرقتم في احدى المداخلات التلفزيونية الى مجزرة البرواقية التي وقعت في نوفمبر من عام 1994, هل لكم أن تكشفوا لنا وللقاريء الكريم ما حدث في هذه المجزرة ـ التي جرت بعد تدبير عملية فرار من السجن ـ حتى نستخلص نظرة وافية عن طبيعة المجازر وكيف تتم؟

النقيب شوشان: مجزرة البرواقية هي باختصار جريمة موصوفة ضد الانسانية بالمقاييس المتعارف عليها في مواثيق حقوق الانسان الشرعية والوضعية لأنها إبادة جماعية لا تبررها الأسباب المفتعلة التي تذرع بها القتلة. وهي عمل جبان غادر بمقاييس أنظمة القتال وقواعد السياسة القديمة والحديثة لأنها استهدفت بالنيران الكثيفة مساجين عزل محاصرين في قلعة عسكرية حصينة ومحاطين بطوق ثابت من الوحدات القتالية من مختلف الأسلحة. وهي خيانة عظمى لأن الذين نفذوها هم المفوضون دستوريا بالسهر على أمن وحماية المواطنين الجزائريين من العدوان. أما الطامة الكبرى فهي أن يساهم التلفزيون الرسمي في تشويه الحقائق للتغطية على الجريمة الموصوفة التي تعرف حقيقتها هيئات الدولة المعنية من الرئيس إلى أعوان وزارة العدل.

بدأت إرهاصات الأحداث قبل عملية الفرار من سجن تازولت بباتنة ربيع سنة 1994 حيث تم تحويل دفعات من المساجين المشبوهين من باتنة والحراش وسركاجي وتيزي وزو. وقد تمكن بعض المثقفين والأساتذة من تحويل سجن البرواقية بين 1992 و1994 إلى مدرسة حقيقية رغم ما يعانيه المساجين من تعسف وظلم فاهتم أغلب المساجين بترقية مستواهم الثقافي والمعرفي إلى درجة جعلت عمي مختار (57 سنة) يقول لزوجته لقد كتب الله علي السجن لأتعلم الكتابة والقراءة فقالت له إذن إبق في السجن أحسن لك وأصبحت نكتة نتفكه بها. وقد تجاوز عدد المساجين السياسيين 1200 سجين سنة 1994 مما اضطر إدارة السجن لتعزيز الوضع المستقر الذي حققه السلوك الإيجابي لأولئك الإطارات خاصة خلال موسم الاعلان عن الحوار الوطني. ولم يرق هذا الأمر للخفافيش التي كانت ترصد الوضع فقامت فجأة بعملية التحويل المذكورة وغيرت إدارة السجن وبدأ مخاض الأحداث. واستهدفت أول خطوة التشهير بالدعاة والأساتذة المؤطرين ثم شكلت إدارة السجن عصابة من المساجين القادمين من سجن سركاجي والحراش تربطهم على ما يبدو علاقة سابقة بالمدير شخصيا وأصبحوا الوسيط المعتمد بين الإدارة والمساجين وتجاوزت صلاحياتهم بعض حراس السجن بتوصيات من المدير. وكان من بين أفراد هذه العصابة عملاء لدوائر أمنية تم تحويلهم للقيام بعملية تصفية جسدية لإطارات الجبهة الاسلامية للانقاذ . وكانت الخطة كالآتي:

1- يتم التغرير ببعض المساجين المراهقين الذين تعرضوا للاحباط جراء ما تعرضوا إليه من تعذيب وإهانة في مراكز الاستنطاق أو ما وقعوا فيه من أخطاء في حق الأبرياء وإقناعهم بإمكانية الفرار من السجن بالتعاون مع حراس مفترضين دون التعرض إلى موضوع التصفية المبيت من طرف المدبرين للمؤامرة وقد تم فعلا تجنيد حوالي ثلاثين سجينا منهم الإبن البكر لمنصوري الملياني.

2- لضمان الامتثال التام للأوامر يتم الإعلان عن إمارة شرعية للمعنيين بالفرار يبايعون فيها الأمير على السمع والطاعة. وقد تم فعلا تعيين عبد الكريم صفصافي أميرا للمجموعة ثم رقي إلى خليفة بعد مقتل أمير الجماعة الاسلامية المسلحة قواسمي الشريف الملقب بأبي عبد الله كما عين بريش عبد الفتاح الملقب بأبي سليمان إماما وعين مراد من بلكور الملقب بالطيب الأفغاني أميرا للحرب وكان الرأس المدبر هو عبد القادر بوخشم. وقد اعترف لنا بهذه المعلومات بعض الضحايا المتورطين بعد أن وقع الفأس في الرأس واكتشفوا أنهم كانوا ضحية عملية مخابراتية محبوكة.

ـ (مقاطعا: تقصدون هنا ترقية المدعو صفصافي من أمير إلى خليفة لقواسمي الشريف على مستوى السجن أم على مستوى الجماعة المسلحة بأكملها؟

النقيب شوشان: على مستوى الجماعة طبعا لأنهم اعتبروا إمارة الشيخ محمد السعيد رحمه الله المعلن عنها آنذاك غير شرعية).

3- إختيار أشد المجندين تطرفا وتوزيعهم بالتعاون مع الإدارة على الزنزانات التي يسكنها الإطارات المستهدفون بالتصفية وقد تم تأجيل هذا الإجراء إلى يوم العملية.

4- بعد تنفيذ عملية التصفية يتم القضاء على المتورطين فيها ويعلن التلفزيون الجزائري أن عناصر من الجماعة المسلحة قتلوا عناصر من الجبهة في إطار الاقتتال الحاصل بينهما ولولا تدخل رجال الأمن الأشاوس لكانت المجزرة أفضع وهو بالفعل ما صرحت به مذيعة التلفزيون الرسمي التي أصبحت فيما بعد وزيرة وسيناتورة في مجلس الأمة رغم أن رجال الدرك والأمن قتلوا خمسين سجينا أعزلا فيما قتل عملاؤهم سجينا واحدا من المتورطين في العملية. أما باقي المساجين بدون استثناء فقد كانوا بين جريح وصريع ولم يتمكن واحد منهم من الدفاع عن نفسه. ورغم العدد الكبير من الضحايا إلا أن الخطة فشلت لأن المستهدفين بالتصفية فيها نجوا من المذبحة بتدبير من الله. وقد ظهرت بوادر الفشل ليلة العملية عندما رفض أغلب الشباب المغرر بهم فكرة التصفية وتردد البعض منهم ووقعوا في حرج كبير فعدلوا عن تسريبهم إلى زنزانات المستهدفين بالتصفية الجسدية من إطارات الجبهة والدعاة خوفا من افتضاح أمرهم. ولكنهم في منتصف ليلة العملية خرجوا من زنزاناتهم الثلاثة المفتوحة وأمروا مجموعة من ضحاياهم بالإقتراب من سور الحصن في حين بقيت مجموعة أخرى داخل العمارة. وفي هذه اللحظة بالذات خرج أحد حراس السجن وصرخ بأعلى صوته لقد أوقعوكم في كمين وسيقتلونكم جميعا أناشدكم الله يا إخوتي أن ترجعوا إلى زنزاناتكم. وكان هذا هو الصوت الذي أيقظ المساجين الآخرين وأصبح الجميع شهودا على ما وقع منذ تلك اللحظة إلى نهاية الاحداث. ولكن المتواجدين في القاعة (أ) وأنا من بينهم كانوا أقدر على معاينة الأحداث لأن نطاق العملية كان مفتوحا أمامنا.

رجع جميع المساجين إلى العمارة وأصر اثنان على الإقتراب من السور وهما الشاهدان الوحيدان الباقيان ممن تورطوا في مأساة (قمار ـ واد سوف) تورطا مباشرا ولم يكن أمامهما سوى الإنتحار للتخلص من الضغط النفسي الذي يعانونه منذ أعتقالهما. وكان بالإمكان صرعهما أو قطع الحبل الذي حاولا تسلقه، ولو افترضنا جدلا أنهما تمكنا من الوصول إلى أعلى السور فقد كان من المستحيل عليهما أن يقفزا من ارتفاع أكثر من عشرة أمتار فوق الصخور الصماء ومع ذلك فقد كان بإمكان حراس السور والدوريات العسكرية للثكنات المحيطة بالسجن اصطيادهما حتى بعد تجاوز سور الحصن لأنهما أعزلان. ولكن حارسا مجهولا من أعلى السور اختار إطلاق النار عليهما بكل برود فأرداهما قتيلين وهما داخل السجن. أما الباقون فقد طلبوا من المساجين فتح زنزاناتهم فلما رفضوا فتحوها عنوة ليصبح اكثر من ألف سجين يتجولون في أروقة العمارة. وقد حاول أحد المتورطين تحذير المساجين مما يراد بإطارات الجبهة ولكن رفاقه عالجوه بقضيب فولاذي حتى الموت.

لم تطلع شمس اليوم التالي إلا والموقف واضح وضوح الشمس للجميع. حوالي عشرين سجينا على علاقة مشبوهة بالإدارة يحاولون الفرار، قتل منهم ثلاثة وبقي الاخرون محاصرين بإحكام مع أكثر من ألف سجين أبرياء في عمارة بدون ماء ولا طعام ولا كهرباء. ولم يسفر قصف العمارة بمئات الحشوات من الغاز والقنابل الدخانية عن خروج المساجين ثم فتح باب التفاوض على إخلاء العمارة بين الإدارة وقيادة فوج التدخل السريع للدرك من جهة ومنفذي العملية وبعض المساجين من جهة أخرى وكان المساجين يريدون حضور طرف مدني من ممثلي حقوق الانسان يضمن لهم التمتع بحقوقهم في حين أصر الطرف الآخر على الاستسلام غير المشروط أو الإبادة الجماعية. وانتهت المفاوضات إلى الفشل وجاء الأمر الفصل على لسان قائد فوج التدخل السريع للدرك الوطني الذي أعلن بمكبر الصوت بعد منتصف الليل قائلا: ابتداء من الساعة الثامنة صباحا سأخلي العمارة بقتلكم إذا لم تخرجوا. وفعلا تم اقتحام الطابق السفلي للعمارة بعد منتصف الليل وتم إخراج الأسرة التي استعملت لسد المدخل من طرف حراس السجن تحت غطاء من القصف الكثيف بالغازات والقنابل الدخانية وحشر المساجين في الطابقين العلويين. وبعد الساعة الثامنة صباحا بقليل وجه أكثر من خمسمائة مسلح رشاشاتهم الخفيفة والمتوسطة نحو نوافذ العمارة وأبوابها وبدأ إطلاق النار لتعيش العمارة بمن فيها جحيما حقيقيا أثناء اقتحام الطابق الأول وتساقط المساجين بين قتيل وجريح وأصبح الجنود يرمون المساجين العزل المحصورين رميا مباشرا من مسافة أقل من عشرين مترا داخل العمارة ورغم صراخ وكيل الجمهورية الذي لم يحتمل بشاعة الموقف بإيقاف الرمي إلا أن حضرة الرائد قائد الفوج الهمام لم يصدر الأمر بإيقاف الرمي إلا بعد أن دخل وكيل الجمهورية شخصيا في قطاع الرمي وهدده بالعقوبة. فرد عليه قائد الدرك بكلام بذيء و أوقف الرمي عند ذلك.

عندما توقف الرمي كان الجنود المتقدمون من مدخل العمارة قد وصلوا بمحاذاة الزنزانة رقم 28 التي انتقلت إليها مع سجينين آخرين قبل بداية الاقتحام بناء على تقدير قتالي للموقف ولم يكن الجنود يتصورون أن نكون في ذلك المكان المتقدم لأن مئات المساجين اندفعوا إلى القاعة (أ) باعتبارها أبعد نقطة عن مدخل العمارة هربا من جحيم الرصاص فاكتظت بهم القاعة وما حولها من الزنزانات وبقي الكثير منهم خارجها يتزاحمون وظهورهم دريئات طرية للنحاس الملتهب. وبعد أن توقف الرمي نادى وكيل الجمهورية المساجين وأذن لهم بإخراج القتلى أولا ثم بدا إخلاء العمارة.

كنت ومن معي نسمع ونرى دون أن يتفطن لوجودنا أحد. وبعد أن بدأ المساجين في الخروج اشرت إلى أحدهم أن يخبر وكيل الجمهورية بوجودنا حتى لا يضطرب الجنود ويطلقوا النار عشوائيا فاقترب أحد الجنود من مدخل الزنزانة وأذن لنا بالخروج.

توقعنا أن الكابوس انتهى فخرجنا لنلتحق بطابور المساجين الخارجين من العمارة تحت النظرات الحاقدة لأعوان الدرك. وما أن وضعنا أرجلنا على عتبة الباب الخارجي للعمارة حتى تلقفت القضبان الحديدية من كان أمامنا من المساجين ليمروا بصراط جديد بين العمارة والساحة المعدة للمحشر الجديد وطوله حوالي 300 متر يمر خلالها السجين بين صفين من حراس السجون حوالي 250 حارسا يضربونه بجنون فلا يصل إلى الساحة إلا صريعا مضرجا بدمائه ومجردا من جميع ثيابه فيتكدس بعضهم فوق بعض في منظر مريع يدل على الاحتقار البشع للذات البشرية عند القوم. ومن لطف الله بي أن أحد الحراس المتعاطفين معي كان مكلفا بالتعرف على المحكوم عليهم بالاعدام حتى يتم عزل من بقي منهم حيا عن باقي المساجين لايهام الرأي العام بأن عملية التصفية لم تكن مقصودة فأخرجني من الصف مع واحد ممن كانوا معي وألحقنا بجناح المحكوم عليهم بالإعدام ونصحني بأن لا أجيب إذا ناداني أحد باسمي حتى تنجلي الأمور. وفي آخر عملية الإخلاء تم إخراج السجين عبد العالي وهو أحد العناصر النشطة المتورطين في العملية منذ إرهاصاتها الأولى وتم إطلاق النار عليه بكل برود أمام المساجين حسب ما أخبرنا به شهود العيان في أوانه مما جعل رفيقه يبادر إلى ضرب حارس متورط معهم في القضية فاطلقوا النار عليه وأخرجوه إلى خارج العمارة وقتلوه بالسلاح الأبيض شر قتلة فاعتصم من بقي من المساجين داخل القاعة رقم (أ) وأغلقوا بابها على أنفسهم وكان بينهم عناصر ممن لهم علاقة بالعملية خشية أن يلاقوا نفس المصير، فما كان من قوات الدرك إلا أن سربت إليهم سوائل ملتهبة من منافذ القاعة ثم قصفتها فتفحم أغلب المساجين فيما أصيب بعضهم إصابات بالغة وقد أخبرنا بعض الناجين أن قوات التدخل أجهزت على بعض الأحياء من بينهم المحكوم عليه بالإعدام يوسف بوصبيع. وقد جمعت بعد ذلك جثث واحد وخمسين سجينا أغلبها متفحمة في ساحة العمارة وبقيت ليلة كاملة في العراء تعبث القطط السائبة بما بقي منها من أشلاء لتنقل على متن شاحنتين صباح اليوم التالي وتدفن في حفرتين مختلفتين إحداهما في منطقة البرواقية والأخرى في مقبرة تاخابيت ضواحي المدية.

أما باقي المساجين فقد كدسوهم عراة حفاة في قاعات ضيقة لا تتسع لهم واقفين ملتصقين ببعضهم وعاشوا صورة من يوم الحشر العسير وبقوا على تلك الحال يومين أشرف بعضهم فيها على الموت. وكان الحراس يخرجونهم بالضرب بالقضبان الحديدية ويدخلونهم به لضبط قوائم المناداة وكان المساجين يفضلون الضرب بالقضبان خارج القاعة هروبا من وضعية الوقوف عراة كما ولدتهم أمهاتهم لا يمكن لأحدهم تغيير وضعية رجله دون إيذاء أخيه. علما بأن بين السجناء من تجاوز عمره 75 سنة ومعه أبناؤه وإخوته. وكان من بينهم مجاهدون وآباء شهداء ثورة التحرير الوطني بكوا بكاء مرا وهم يقلبون الذاكرة بين جلادي الجزائر المحتلة قبل سنة 1962 وجلادي الجزائر المستعمرة بعد 1992. وفي اليوم الثالث وزع الحراس على المساجين سراويل خشنة مؤذية للجلد وخففوا من الاكتظاظ بحيث أصبح بإمكان كل سجين أن يجلس دون أن يمد رجليه أو يستلقي لينام والقاعة التي التحقت بها في اليوم الثالث كان طولها اقل من عشرين متر وعرضها لا يتجاوز 6 متر وفيها ثقبة واحدة للخلاء غير مستورة وبدون ماء وكان عددنا في البداية 400 سجين ثم اصبح حوالي 360 وكنا نفترش الإسمنت المشبع بالرطوبة والماء في البداية ونتغطى بسقف القاعة الذي يتسرب الماء من كل زواياه إذا ذاب الثلج الكثيف المتجمد عليه ومع ذلك فقد كانت هي أحسن القاعات حالا. لقد بقينا في هذه الوضعية أكثر من شهرين كانت وجبات العقوبة فيها أكثر من وجبات الأكل ولم نغتسل فيها مرة واحدة وكنا نوفر ماء الشرب للاستنجاء حتى نبتت من جلودنا الديدان الحية وتفشى الجرب في المساجين إلى درجة جعلت الحراس يخافون على انفسهم من العدوى. وعند ذلك فقط سمح لنا بالاغتسال بالسوائل المطهرة واتخذت بعض الإجراءات لعلاج الحالات المرضية المتقدمة وتم تزويدنا ببعض البطانيات والملابس وفتحت الزيارة بعد ذلك. وقد زارني في الاسبوع الثاني أو الثالث من الأحداث الأستاذان المحاميان مشري بشير ومحمد بغدادي بترخيص استثنائي من ديوان رئيس الجمهورية للتساؤل عن حقيقة ما حدث ولم يكن مسموحا لأي هيئة أو شخص أن يدخل السجن أو يخرج منه في تلك الفترة إلا بترخيص من وزير الدفاع باعتبار السجن منطقة عمليات عسكرية. وقد استنكر الأستاذ مشري بشدة الوضعية المزرية التي رآني فيها ورفض مقابلتي فيها وهدد مدير السجن بالمتابعة ولم اتكلم معه إلا بعد أن ألبسوني حذاء ولباسا عاديا وقد أخبرتهما بما رأيت في ذلك الوقت وأكدت لهما أن قوات التدخل السريع هي التي قتلت خمسين سجينا بدم بارد أما السجين الواحد والخمسين فقد تعاون على قتله اثنان من المتورطين المشبوهين في العملية وقد تم قتلهما بطريقة ملفتة للانتباه أثناء خروج المساجين من العمارة من طرف رجال الدرك والفرقة الخاصة الملحقة بهم من الملثمين المجهزين بالسلاح البيض وأن المساجين يعانون من معاملة لا أتخيل لها مثيلا من الحقارة في تاريخ البشرية. وقد أخبرني الأستاذين بأنهما مكلفين باستقصاء الحقيقة لصالح قيادة الجبهة الاسلامية ومصالح الرئاسة حتى يكونوا على بينة مما حصل وسينقلانها لهم كما وصفتها وقد كنت أمينا في شهادتي وما زلت والحمد لله.

وقد تبين لنا بعد مراجعة التفاصيل مع بعض المتورطين والحراس ومن خلال محاضر التحقيق أن 8 جواسيس كانوا مندسين في صفوف المساجين اختفى منهم سبعة وأصيب واحد منهم بالخطأ مما جعله يعاتب إدارة السجن على إطلاق الرصاص عليه رغم إعطائه إشارة التعارف بينه وبينهم وكان ذلك على مرأى ومسمع من سجينين كانا يعذبان داخل مكتب رئيس الحرس وقد تم نقل العميل خارج السجن فورا وأجريت معه مقابلة صحفية في ذلك الوقت قال فيها ما أملي عليه من شهادة الزور البينة باعتباره أحد السجناء. كما أخبرني طبيب سجين استدعي للمساعدة في عيادة السجن أن بعض الأشخاص المشبوهين من المتورطين في العملية كانوا تحت تأثير المخدرات مما يدل على أنهم لا يمتون بعلاقة للمساجين السياسيين المستهدفين كما أن هذه المعلومة لم تشر إليها الدعاية الرسمية التي من عادتها اختلاق القرائن لتشويه سمعة الإسلاميين.

هذه بعض الصور من مأساة البرواقية ولو استعرضنا شريط الأحداث كاملا لصعب على الناس تصديقها ولكن الشهود الأحياء على الأحداث يعدون بالمئات ولن تمحو الأيام مهما طالت ذلك الكابوس المرعب من ذاكرتهم.

ـ وأنتم تقدمون هذه الشهادة الحية عن هذه المجزرة في حق السجناء العزل, أشرتم إلى كون الهدف من تخطيطها كان النية المبيته في تصفية اطارات الجبهة الإسلامية والدعاة, بتوريط سجناء سذج وحمقى ومغرر بهم لهم علاقة بالجماعة المسلحة.. هل نفهم من هذا أنه حتى داخل السجن العلاقة بين اطارات الجبهة ومقاتلي الجماعة كانت متوترة ومكهربة؟

النقيب شوشان: لم يكن هناك تصنيف للمساجين داخل السجن فالجميع يعتبرون من مناضلي الجبهة والمتعاطفين معها رغم اختلاف وجهات النظر والقناعات الذي لم يكن له تأثير على العلاقة بين المساجين إلى أن تم غزو البرواقية من طرف العناصر المشبوهة كما أشرت إليه. فالتوتر كان طارئا على السجن ولم تظهر علاقة المتورطين بالجماعة إلا بعد الأحداث. أما ما نراه اليوم من التوتر فهو الحصاد المر لموسم الأزمة الطويل الذي عاشته الجزائر في نظري.

ـ إذا فيه شخص دافع عن السيد عبد القادر شبوطي بقوة فهو النقيب أحمد شوشان.. ما الذي يحفزكم في كل مرة للرد على ما يكتب عن شبوطي؟ هل كانت لكم علاقة شخصية أو تنظيمية معه؟

النقيب شوشان: إن الإنصاف قيمة إنسانية حميدة يجتهد كل إنسان أن يتحلى بها ولكن الظروف قد لا تسعف الانسان أن يدرك غايته كلها. وقد كان أول موقف لي في إنصاف الأخ عبد القادر شبوطي أمام هيئة المحكمة العسكرية ببشار التي حاولت ان تجعل من لقائي به محور التهم الموجهة إلي حيث اكدت بأنني التقيت بعبد القادر شبوطي مرارا وتناقشت معه حول التطورات التي عرفتها الجزائر في الفترة مابين 1991 و1992 وشهدت بكل ثقة بانه أصدق وطنية من القيادة العسكرية وزبانية مركز الاستنطاق ببن عكنون وأنه من أرجح ابناء الجزائرعقلا وأشرفهم سلوكا.

إن علاقتي بالاخ عبد القادر ليست علاقة رحم أو زمالة مدرسية أو جوار سكني أو منفعة دنيوية أو هيكلة تنظيمية بل إنها علاقة مبدئية أخوية ولدها الإيمان الصادق بالله أولا ثم الاهتمام المخلص بمصير شعبنا ووطننا فالتقينا على حب الخير وبغض الشر وانتهينا إلى تصور واضح لحيثيات الأزمة وخلصنا إلى أن حلها مسؤولية يجب أن يتعاون كل الجزائريين على تحملها وسعينا قدر استطاعتنا إلى تحقيق هذا الهدف. ولكن أطرافا أخرى استطاعت بأساليبها الخبيثة وطموحاتها الجامحة أن تدير عجلة الازمة بسرعة مجنونة كانت الجزائر كلها ضحية لها.

ولذلك وقع الخلط في حق هذا الرجل الجزائري الأصيل فبعض الدوائر الأمنية ترى الأخ عبد القادر يتنقل مع ضباط من الجيش والأمن ولم تصدر في حقه مذكرة توقيف إلا بعد احداث قمار التي هو بريء منها تماما فتعتقد أنه عميل للمخابرات أو أن المخابرات تستخدمه بطريقة غير مباشرة وهذا غير صحيح كما أن بعض الدوائر السياسية والأمنية تصنفه في رأس قائمة الإرهاب والجريمة دون أن تقدم بينة معتبرة على ذلك. في حين حاول بعض المتطفلين على المشروع الاسلامي والعمل المسلح الظهور مظهر الأبطال بالتشهير به لأنه لم يبادر إلى العمل المسلح رغم إلحاح كثير من الشباب المتحمسين الذين استفزتهم مصالح الأمن خاصة بعد اعتقال قيادة الجبهة الاسلامية ومناضليها. وقد سمعت كثيرا من المساجين يرددون هذا الكلام في سجن البرواقية. ولكن قيمة الرجال تحددها مواقفهم من القضايا والأحداث وأنا أشهد أن عبد القادر شبوطي من أرجح الجزائريين عقلا وأوسطهم موقفا حيال ما تعرضت له بلاده وأن الذين يستهدفونه بالقدح من هذا الطرف أو ذاك يسبحون في مستنقع الدوائر الارهابية للسلطة سواء علموا ذلك أو جهلوه. والحقيقة أن لبعض المحسوبين على المشروع الاسلامي نصيب من المسؤولية في عرقلة المسيرة الموفقة للمشروع الاسلامي في الجزائر وتعقيد الأمور سواء لأغراض مبيتة أو عن حسن نية. إلا أن ذلك لا يمكن بحال من الأحوال أن يعفي القيادة العسكرية من المسؤولية الكاملة على الأزمة. وهذا ليس تحاملا عليها كما يمكن أن يفهمه البعض ولكن لأن قدرة الطرف الآخر على التأثير في مجريات الأحداث كانت معدومة والمبادرة كلها كانت بيد القيادة العسكرية. ولو أنها لم تتدخل بالطريقة الهمجية في يناير 1992 لكان منحنى الأزمة أقل حدة ودموية في أسوإ الاحوال ولوقعت المسؤولية على طرف آخر غيرها. أما وقد اختارت تحقيق رغبات بعض المتسيبين والسائبات من الجزائريين على حساب المصلحة العليا للوطن فعليها أن تتحمل المسؤولية كاملة.

وإذا كان اعترافنا بالعجز عن تجنيب الجزائر مأساة أهلكت الحرث والنسل يمكن أن يعفينا من المسؤولية فإن السكوت على العبث بالذاكرة الجماعية للشعب الجزائري والتجني على الشرفاء من أبنائه تواطؤ على الشر لن نقع فيه إن شاء الله.

ــــــ

تتابعون الجزء الثالث والأخير من هذا الحوار القيم غدا السبت 31 جانفي 2004 بحول الله.

 

الجزء الثالث والأخير من الحوار

الجزء الأول من الحوار