algeriavoice.net
algeriavoice.net
algeriavoice.net

مرحبا بكم في موقع صوت الجزائر, ويسرنا استقبال آرائكم ومساهماتكم عبر بريد الموقع الإلكتروني

رسائل

أرواق خضراء

رأي حر

مفقود

دفتر الأيام

حوار

الذاكرة الجماعية

الدورة الدموية

وجهة نظر

الافتتاحية

الرئيسية

 

 

من يعفو عن من؟

 تلك هي المسألة!...

كتب: علي فودي | صوت الجزائر | السبت 28 ديسمبر 2002

في يوم من أيام صيف عام 1991, وبينما كنا جالسين في مكان عمومي محترم, دخل علينا أحد شياطين الإنس, وبمجرد جلوسه, بدأ يرمي كلمات لعله يوفق في جذب الحضور للنقاش, حتى يسترق السمع ويأخذ بعض الكلمات إلى المخفر..

تكلم فقال لقد حاكموا شيوخ الجبهة, لا أحد رد عليه,, أضاف أن المحاكمة غير عادلة.. صمت القبور!. خرج قليلاً ثم رجع ليقول أن الشيوخ مساكين قد رموهم في السجون .. هنا صاحت في وجهه إحدى الأخوات وقالت له: أن الشيوخ ليسوا مساكين, بل رجال!!!.. فحمل جثته وأختفى عن الأنظار, وكأنه شيطان رجيم ضرب بسهم ثاقب !!..

وفي منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي, يتوصل الإندماجي فرحات عباس, إلى طريق مسدود, فيكتب, أنه بحث عن الجزائر في كل مكان ولم يجدها!.. أي بعبارة أخرى أن الجزائر هي فرنسا وكفى. ويرد عليه رائد النهضة الجزائرية الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله, أن الجزائر لا يمكن لها أن تكون فرنسا ولو أرادت.

من هنا نبدأ,, فعندما نتكلم عن الجزائر وعن النضال والمعاناة, والإستعمار والقابلية للإستعمار, والذل والقابلية للذل. ننطلق من مسلمات وتجارب مضت, نعتمدها نبراساً للإنطلاقة والتحرك والقياس.

ورائد النهضة وفي نفس الزمن تقريباً الذي رد فيه على فرحات عباس, يسجل إستنتاجاً قوياً عندما يقول له أحد جنرالات فرنسا, أنه لا مفر لكم من الإستعمار, لأن لدى فرنسا مدافع طويلة, فيرد عليه الشيخ, أن مدافعنا أطول, أنها مدافع الله!!.

*****

الحق الحق أقول لكم أن النضال ليس نزهة في أيام الربيع, وإنما منذ أن يقدم المرء على تحديد أهدافه السياسية يعرف ماذا ينتظره,, فيه من يصمد ويثابر على العمل من اجل تحقيق النصر, وفيه من يذوب كالزفت بمجرد أن يشتد الحر قليلاً, وبذوابنه يمد رائحة كريهة.

فالذي لا يعرف, نقول له اننا كنا نسياً منسيا ولمدة تجاوزت القرن, قبل أن نبعث من جديد بفضل الله سبحانه وتعالى,, وبفضل أفكار ونضالات رجال لا ينتظرون جزاءاً ولا شكورا.

إنهم الشهداء الذين رزقهم الله الشهادة, ومنهم من كان يطلب الله سبحانه وتعالى أن لا يبقيه على قيد الحياة ليعيش "الإستقلال" المغشوش!. بعد أن رأو الخونة قد أمسكوا قبضتهم على كل المراكز القيادية تقريباً.

والآن الجزائر موجودة, ليس مثل ما كان يحلم بها الشهداء, ولكن على الأقل مازالت الروح تجري في عروقها, بفضل الله سبحانه وتعالى ورجال  من أمثال الشيخ عباسي مدني الذي أمضى ثلث عمره في السجن والشيخ علي بن الحاج إبن الشهيد. أي ان وضعنا بتعاسته أحسن بكثير من الوضع الذي جعل الجزائري يبحث عن جثة الجزائر في المقابر ولم يجدها!.

ورغم كل ما قام به هذا النظام الشقي من حيل ومكر وخداع وإرهاب وتشويه, لم يستطع النيل من الشيخين, ومازالا وسيبقيا رغم أنف هذا النظام الإرهابي الرقم الصعب في المعادلة الجزائرية ورمزا للنضال والكفاح من أجل عز الجزائر.. أحب من أحب وكره من كره.

*****

فيه من تساءل كيف يقدم الدمية بوتفليقة (لابارك الله في أعماله) على إطلاق سراح أكثر من 12 ألف سجين (في مناسبتي المولد النبوي الشريف وعيد الفطر المبارك), فيهم القاتل والسارق والمغتصب, ولا يطلق سراح الشيخين؟. أو بالأحرى ولا تطلق (المؤسسة العسكرية) سراح الشيخين؟.

لكن هذا بالضبط ما يهدف إليه الأقزام, زرع الريبة والشك في المشروع النهضوي, الذي بدأ بإنتخاب وتحول إلى عذاب ودمار لتحييد الشعب عن القضية.

وعدم إطلاق سراح الشيخين يصب في نفس الإتجاه؛

في يوم 15 سبتمبر 1999 أي يوم واحد قبل التصويت على قانون الوئام المدني عقد الدمية بوتفليقة تجمع بقاعة حرشة بحضور كلاب الدوار (سماهم كبار الدوار) رضا مالك وعلي هارون ومحفوظ نحناح, وفي هذا التجمع  أتهم مناضلي الجبهة الإسلامية للإنقاذ بأنهم تجار المخدرات وبأنهم بدون برنامج إلخ.. 

وقال كلمة واضحة لا غبار عليها وهي الطابعة على سياسته منذ جيء به: "أن ضحايا الإرهاب قالوا لي أعفو عن ما شئت, فقط  على من يحمل فكرة الدولة الإسلامية فلا".

طبعاً نعرف ماذا يعني بكلمة ضحايا الإرهاب, الذين هم في الحقيقة الجنرالات ومن يدور حولهم ـ عليهم دائرة السوء ـ ومثل ما نفذوا في الماضي مشاريع بإسم أبناء الشهداء وأرامل الشهداء ـ والله سبحانه وتعالى وحده يعلم الإهانة والذل الذي ألحقوه بنساء الشهداء وأولادهم ـ هاهم اليوم يريدون فرض برامج بصنف آخر من الناس (ضحايا الإرهاب) وهم ضحاياهم؛ يقتلوهم ويمشون في جنازتهم!.

وتركيز الدمية بوتفليقة على حملة فكرة الدولة الإسلامية, يتركنا نعرف إتجاه الأحداث وعواقبها:

1. إذا كان هذا الكلام قيل سنة 99 أي قبل أحداث سبتمبر, فماذا ننتظر من النظام  بعدها, خاصة ونحن نعيش مرحلة "المسلم متهم حتى تثبت براءته!".

2. بالنسبة للشيخ علي بن حاج فالوضع لم يتغير, حتى يغير من موقفه الذي أعلنه مرات ومرات, بأن تحل القضية على طريقة الشرع, وقد حصل على ردهم زمن بتشين وزروال: "قال لنا أحد المسؤولين الكبار أننا غير مستعدين على حل المشكلة على ضوء الشرع مراعاة للأقليات الإيديولوجية والوضع الدولي الجديد". (1)

ولهذا نجد أن الأستاذ مراد دهينة مسؤول المكتب الوطني للجبهة الإسلامية بالنيابة في حواره مع موقع "سويس أنفو" يوم 10 أكتوبر 2002 يركز على المطالبة بمحاسبة المجرمين مهما كانت إنتماءاتهم ومحاكمتهم بطرق مشروعة وبضمانات دولية, وتنظيم حوار شفاف, على غرار ما تم في جنوب إفريقيا.

فالذي تعيشه الجزائر منذ وقف الإنتخابات الديمقراطية شبيه بالحالة الجنوب إفريقية في عهد الأبارتيد؛

ـ في جنوب إفريقيا, أقلية بيضاء عنصرية تحكم أغلبية من السود.

ـ وفي الجزائر أقلية إديولوجية مجهرية تتحكم في أكثرية مسلمة وتفرض عليها برامج وهوية غريبة عن الواقع الجزائري..

والشيخان عباسي مدني وعلي بن حاج, بثباتهما على الحق, فوتا الفرصة على النظام الإرهابي الإنقلابي فرض مشروعه الإنتحاري التغريبي:

ـ عندما نجح الإرهابي سماعين العماري, في توظيف مدني مزراق وضع له رزنامة زمنية (قُدرت سنة 1997 بخمس سنوات) لزرعه في عالم السياسة بحزب قزم عميل, على شاكلة ((حمس)), كبديل للجبهة الإسلامية, لكن هذا المخطط سوف يبقى غير قابل للتطبيق, طالما فشل النظام في إقناع الشيخين في التنازل عن مبادئهما, والتسليم بأمر الواقع.

ولهذا جاءت رسالة مزراق إلى الشيخ علي بن الحاج تطالبه أن يقبل بسياسة الذل والهوان وأن يبيع ذمته لشياطين الإنس.

ـ الخطوة الثانية لتصفية المشروع الذي صوت عليه الشعب الجزائري قبل إحدى عشر سنة, أي يوم 26 ديسمبر 1991. هو تقديم نزار إلى محاكمة صورية داخل الجزائر, ويقوم بهذا الدور بديع الزمان بوخمخم. فنزار  لم يعد يحمي مصالح النظام ولهذا راينا السنة الماضية كيف ظهر فجأة عطايلية (الذي شوهته المخابرات في السنوات الماضية شر تشويه وقالت عنه أنه يرقد في إحدى المستشفيات العسكرية لآنه مصاب بسرطان الجلد وأنه أصبح متعفن إلى آخره) مهاجماً نزار ومحملا إياه مسؤولية المأساة, أي أن بوخمخم ليس أول من أشار إلى هذه الحماقة, حماقة الفعل الإنفرادي المعزول لنزار, لا المسؤولية الجماعية للنظام...

*****

أقول لكم أيها الناس أنه لم ينتابنا الشك ولو لحظة واحدة في هوية زراع الرعب وقتلة الأطفال, وربما نضطر للتعامل من مرة لأخرى مع الأحداث, مثلما يريد الإعلام المأجور تقديمها, ولكن في عقيدتنا فإن النظام الإنقلابي العميل هو من كان ومازال ـ إن لم نضع حد لجنونه وشذوذه ـ يقتل ويعبث بأرواح الأبرياء العزل, الذين كانوا يحلمون ـ مثلما تحلم شعوب أخرى ـ في التغيير نحو الأحسن ورأوا في إنتخابات 26 ديسمبر 1991 خير وسيلة لهدف أسمى.

الإرهابيون؛ نزار ونحناح وسعيد سعدي والهاشمي الشريف وعبد الحق بن حمودة والتوفيق والعماري وسماعين العماري وبلخير وبتشين وزروال ورضا مالك وعلي كافي وبلعيد وغزالي وعسلاوي ومسعودي وثلة من الشذوذ السياسي, ضبطوا أنفسهم على حرب ضروس تأتي على الأخضر واليابس, فقط أن لا يتمكن الشعب الغلبان من تقرير مصيره والمشاركة في إقتسام خيرات الجزائر وبترولها, وفي فرض هويته على أرض الواقع.

لكن النظام الشقي ـ ولله الحمد ـ قد وصل إلى طريق مسدود, لا هو في إمكانه أن يتقدم ولا أن يتأخر.. حتى في عصر ما بعد 11 سبتمبر وعصر محاربة الإسلام, فهو على مشارف إستهلاك كل ما يملكه من رصيد إعلامي.

لأن الذي أغفله أحفاد أوساريس, هو أن الشعب الجزائري, غير قابل للإستعمار, لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل, ولن يغير في ذلك حتى ولو قتلوا ربع مليون آخر. ونحن نكتب هنا عن قناعة تامة أن جل الشعب الجزائري رغم كل التدجين والإتهامات مقتنعاً إقتناعاً تاماً أن الذي يقتل في الجزائر هو النظام الإرهابي, وهذا يجرنا إلى الكلام عن العفو, ومن يحق له أن يعفو ومن يتوجب عليه طلبه..

مما لا شك فيه أن توفر النظام على وسائل التعذيب والقتل والذبح والإغتصاب والإختلاس والمكر, لا يضعه في مرتبة تسمح له بأن يعفو أو يصفح, أو أن يصدر قانون الرحمة أو الوئام وغيره, بل هذا يؤهله أن يوصف بالسفاح قاتل الأطفال والشيوخ والنساء والرهبان..

هل شاهدتم أو قرأتم أن الجنرال السفاح التوفيق رئيس المخابرات اللقيطة (2) قد فند أو أثبت ما يقوله ضباط كانوا يشتغلون تحت سلطته, هل رأيتم نائبه السفاح سماعين العماري في جريدة عمومية أو خاصة, أو في التلفزيون؟. لم يحدث ذلك,, فإذا كان من يحكم أمر البلاد يُعامل كالمحرم, فأنتظروا الخراب!!!.

الفاعلون داخل النظام الإرهابي لا يظهرون ويتركون مرتزقتهم يمهدون للتدجين, من هؤلاء المدعو فاروق قسنطيني, مسؤول إحدى المراكز التي تتستر على أفعال النظام الإرهابي, قال أن من مصلحة الشيوخ أن يبقوا في السجن؟!. هذا كلام يقوله رئيس مركز الدفاع عن ((حقوق الإنسان)),  أين نحن من هذا العالم, ((حقوقي)) يقول عن السجن أنه أرحم للسجين من الحرية؟!.. أي دولة هذه التي تخير الضحية بين بقائه في السجن أو خروجه ليغتال, مثل ما حدث مع الشهيد عبد القادر حشاني, وما تحضر له المخابرات الجبانة, عندما تنتهي مدة سجن كل من الشيخ عباسي مدني والشيخ علي بن حاج؟.

*****

عندما نحدث القطيعة مع ثقافة الذل التي روج لها "الإخوان" على مر عقود من الزمن, وعندما نتشبث بمبدأ "لا ضاع حق ورائه طالب", لا نسمح لأنفسنا طرح السؤال: "هل نطلب العفو من القتلة السفلة؟", أو أن نفكر في التنازل عن كرامتنا والقبول بالعيش كمتمسكنين أمام أحفاد القردة والخنازير, بل العمل على رفع الحيث والظلم, حتى وإن كان ذلك ربما يهدد وجودنا..

أقول لكم أيها الناس, ما قاله الشاعر الكبير أحمد مطر في مرثية الشهيد ناجي العلي:

"أمن التأدب أن أقول لقاتلي   عذراً إذا جرحت يدك دمائي؟

أأقـول للكلب العقور تأدباً    دغدغ بنابك يا أخي أشلائي؟"

أقول لكم أيها الناس ما قالته إحدى الإخوات الجزائريات لبوتفليقة, إننا لا نشحذ ولكن نطالب بالكرامة!.

أقل لكم ما قالت اليمامة(3):

"فلما جاءته الوفود ساعية إلى الصلح,

قال لهم الأمير سالم أصالح إذا صالحت

اليمامة, فقصدت إلى اليمامة أمها الجليلة

ومن معها من نساء سادات القبيلة,

فدخلن إليها, وسلمن جميعاً عليها,

وقبلت الجليلة بنتها, وقالت: أما كفى؟

فقد هلكت رجالنا وساءت أحوالنا وماتت

فرساننا وأبطالنا, فأجابتها اليمامة: أنا لا

أصالح, ولو لم يبق أحد يقدر أن يكافح..

أبي .. لا مزيد!

أريد أبي, عند بوابة القصر ,

فوق حصان الحقيقة,

منتصباً من جديد..

ولا أطلب المستحيل, ولكنه العدل..

...."

فمن غير المعقول أن نقبل بالذل, فقط لأننا مستضعفين, مادياً لا روحياً. ودوام الحال من المحال.

ــــــــــ

(1) من رسالة الشيخ علي بن حاج (الرد على الناطق الرسمي بإسم الحكومة ـ الإقامة الجبرية يوم 20 جانفي 1995).

(2) معروف أن المخابرات الجزائرية تعتمد عدة طرق أكتسبتها من عدة مدارس: إستعمارية فرنسية, روسية, يوغسلافية, رومانية, تشيكوسلوفاكية, مصرية, سورية, عراقية, ألمانيا الشرقية, بلغارية... ولكل مدرسة أساليبها القمعية والتصفوية الرهيبة.

(3) مقتطفات من "أقوال اليمامة" للشاعر الكبير أمل دنقل.